ومن أجمل ما وصف به عرب الأندلس قول صاحب فرحة الأنفس: «أهل الأندلس عرب في الأنساب، والعزة والأنفة، وعلو الهمم، وفصاحة الألسن، وطيب النفوس، وإباء الضيم، وقلة احتمال الذل، والسماحة بما في أيديهم، والنزاهة عن الخضوع وإتيان الدنية، وهنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم، وحبهم فيها وضبطهم لها ورواياتهم، بغداديون في نظافتهم وظرفهم ورقة أخلاقهم، ونباهتهم وذكائهم، وحسن نظرهم، وجودة قرائحهم، ولطافة أذهانهم، وحدة أفكارهم، ونفوذ خواطرهم، يونانيون في استنباطهم للمياه، ومعاناتهم لضروب الغراسات، واختيارهم لأجناس الفواكه، وهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال وتحسين الصنائع، وأحذق الناس بالفروسية، وأبصرهم بالطعن والضرب.»
العلم في الأندلس
أنشأ الأندلسيون في كل ناحية المدارس وخزائن الكتب، وأقاموا في العواصم الجامعات التي كانت وحدها مواطن العلم في أوروبا زمنا طويلا، ومما أعان على الاستكثار من الكتب ما كانت تصدره معامل شاطبة من الورق، وبهذه الطرق الجديدة فاض النور على الرجال والنساء، وعلى الموافقين والمخالفين، حتى أصبحت قرطبة مدة ثلاثة قرون أكثر مدن العالم القديم نورا، وكانت حضرة ملوكها وقصور خلفائها، لكثرة عنايتهم بالعلم، وحرصهم على استجلاب العلماء إليها من كل فج وصوب، أشبه بمجامع علمية، وقاعات خزائن كتبهم كأنها دور حكمة، فيها معامل كبيرة خصت بالنساخين والمجلدين والمذهبين والنقاشين، ومن خزائنهم ما كانت جرائد أسمائها تستغرق عشرات من المجلدات.
ولقد كان الحكم الثاني من أعظم المفضلين على الآداب، نشر العلم في أمته حتى قل فيها الأميون وأنشأ في عاصمته خزانة كتب فيها من عامة العلوم نحو أربعمائة ألف مجلد، وربما كان أعلم أمير جاء في الإسلام،
14
وكانت جامعة قرطبة في أيامه أعظم جامعات الأرض تقرأ فيها العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية والكيماوية، وكان عبد الرحمن الثاني عالما أديبا شاعرا يعرف علوم الفلاسفة.
ولما ملك الأندلس أمير المسلمين يوسف بن تاشفين من المرابطين انقطع إليه «من الجزيرة من أهل كل علم فحوله، حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم، واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار.» وكان الفيلسوف ابن طفيل من رجاله هو الذي جلب إليه العلماء من جميع الأقطار، ونبهه على فضل ابن رشد الفيلسوف.
وكان لملوك الأندلس غرام باصطفاء كبار العلماء للوزارة، يشتملون على الدولة ويدبرون أمرها، ومنهم من برزوا في السياسة والإدارة وقيادة الجيوش تبريزهم في العلم والأدب، كابن زيدون وابن عبدون وابن أبي الخصال وابن خلدون وابن الخطيب وابن زهر وابن سعيد وابن عمار وابن الجد وابن أيمن وابن هود وابن سوار وأبي عبد الله الطاهر وابن فرج وابن لبون وابن رزين وابن أرقم وابن القلاس وابن غيطون وابن القاسم وابن زمرك وابن حزم وابن جبير وابن عبد البر وابن السيد والبكري وعشرات غيرهم، بيضوا وجه الأندلس، وجرى على هذه السنة الأمويون ثم المرابطون والموحدون ثم بنو الأحمر، ومن تخلل هذه الدول الكبرى من ملوك الطوائف، ونسجوا على أساليب الدولة العباسية والفاطمية والإخشيدية والطولونية والحمدانية والبويهية والسامانية والغزنوية وغيرها من دول المشرق.
كان عبد الرحمن الداخل بعد أن قطع صلاته بالعباسيين يريد الأندلسيين على أن يعتبروا إسبانيا وطنهم الحقيقي، ينفق دخل مملكته في الأعمال النافعة؛ لعدم احتياجها إلى الجيوش الكثيرة والأساطيل البحرية، وكان خلفاؤه يرون أبدا أن ينسجوا على منواله، وصح أنه كان لبعض ملوكهم الخالفين جيوش دائمة تحت السلاح مستعدة للوثبة عند أقل بادرة، مما لم يكن يعهد في الغرب، ولم يعرف إلا في بعض الأدوار عند ملوك الشرق، وبلغ من عز الإسلام في عهد هشام الأموي، وكانوا يشبهونه بتقواه بعمر بن عبد العزيز، أن رجلا في أيامه، كان أوصى أن يفك أسير من المسلمين من تركته، فطلب ذلك فلم يوجد أسير يشترى ويفك؛ لضعف العدو وقوة المسلمين.