تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن المتعذر استقصاء أعمال الأندلسيين في العمران، ووصف أبنيتهم وهندستهم وإبداعهم في بناء مدينة الزهراء مثلا، وكانت على أربعة أميال وثلثي ميل من قرطبة، والزهراء من بناء الملك الناصر، وكان يقسم جباية البلاد أثلاثا؛ فثلث للجند، وثلث مدخر، وثلث ينفقه على عمارة الزهراء، وكانت جباية الأندلس يومئذ خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن الستوق

12

والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستون ألف دينار، وهي من أجمل بناء الأندلس وأجله خطرا وأعظمه شأنا كما قال مؤرخو تلك الديار، وما فتئت إلى اليوم بقايا قصور طليطلة وغرناطة وإشبيلية وغيرها موضع دهشة القادمين لزيارتها من الأمم الراقية. أما صناعاتهم وجميع أدوات ترقيهم فقد أدخلت في الغرب أمورا لم يكن لأهلها عهد بمثلها، ونشروا العلوم والآداب وطبقوا العلم على الزراعة والصناعة، ولا تزال إلى اليوم السدود التي أقاموها في ولاية بلنسية شاهدة بتفوقهم، يعيش الإسبانيون بفضل هندسة العرب العجيبة بعد جلائهم عنها منذ أكثر من أربعة قرون، وبفضل هندستهم كانت المياه تجري إلى كل مكان في بسائط الجزيرة فتحمل الخصب والإمراع، وقد عم الذوق باللذائذ العقلية جميع طبقات المجتمع في الأندلس، وغدت المنافسة الشريفة على أتمها، فكانوا يكتبون على جميع المصانع اسم من أمر ببنائها واسم بانيها، والأمة تمدح المحسن بها والمحسن لبنائها، ولم يبرح الغرب إلى اليوم يدرس أصول بناء العرب، ويعجب بما نقشوه فيها من النقوش، وما عمدوا إليه من الزينة المشفوعة بالمتانة والعظمة، وقصر الحمراء وجنة العريف في غرناطة، من آخر ما خلفه العرب من ذاك المجد المؤثل، وذكر بعض علماء الفرنجة أنه كان في الأندلس على عهد الحضارة العربية أربعون مليون نسمة من أرباب الصنائع والعمل (وسكان إسبانيا اليوم نحو اثنين وعشرين مليونا وسكان البرتقال ستة ملايين).

عمل العرب في الأندلس

غير عرب إسبانيا شكل الأندلس

13

في بضعة قرون من حيث المادة والعلم، وجعلوها في منزلة دونها جميع الممالك، قال لبون: ولكن هذا التبدل لم يتناول الماديات والعقليات، بل تعداها إلى الأخلاقيات؛ فقد علموا وحاولوا أن يعلموا الشعوب النصرانية أثمن الصفات الإنسانية، وأعني بها «التسامح»، ولقد كان من لطفهم مع الشعب الذي افتتحوا بلاده أن يعقد أساقفتهم مجامعهم الدينية في إشبيلية سنة 782م وفي قرطبة سنة 852م وهذا من الأمثلة على حسن مأتاهم، ومنها تلك الكنائس والبيع الكثيرة التي شادها نصارى الإسبان في العهد العربي في إسبانيا، وكل ذلك دليل على الحرمة التي كان العرب يعاملون بها المعتقدات التي جعلت تحت حماية قانونهم. وقد انتحل الإسلام كثير من النصارى على حين لم يكن لهم في ذلك غير مصلحة ضئيلة؛ لأن النصارى الذين كانوا في الحكم العربي، ويطلق عليهم اسم المستعربين، كانوا يعاملون كاليهود أيضا على نصاب واحد من المساواة مع المسلمين، ويمكنهم مثلهم أن يتولوا جميع أعمال المملكة، وكانت إسبانيا العربية البلد الوحيد في أوروبا الذي كانت فيه حقوق اليهود مصونة حتى كثر فيها سوادهم، وكما كان يطلق اسم المستعربين على أبناء النصرانية الخاضعين لأحكام المسلمين في الأندلس، كان يطلق اسم المدجنين على المسلمين الخاضعين لحكومة إسبانيا. وقال سيديليو ولبون وغيرهما: كان العرب في إسبانيا من حيث الأخلاق والعلم والصناعة أرقى من النصارى، وكان في أخلاقهم وصفاتهم شيء من الكرم والإحسان، مما لم يكن له أثر عند غيرهم، وفيهم الشمم الذي امتازوا به، وكان الإفراط في حبه مولدا لجنون البراز المشئوم.

ونشر العرب في بلاد إسبانيا بما خصوا به من حسن المعرفة بالفلاحة وطرائقها المبنية على التجربة والمشاهدة، ما هو العجب العجاب؛ فزرعوا فلواتها، وعمروا مدائنها، وربطوا علائق تجارية مع الأمم المجاورة، فظهرت بها الرفاهية، وصفا العيش، وكانت أساطيلهم التجارية تقلع من مالقة وبجاية والمرية ولشبونة وبرشلونة، تحمل إلى الشرق والغرب حاصلات الأندلس، وتأتي من البلاد التي أرست فيها ما يلزمها، وأهم ما كان الأندلسيون يهتمون له، خصوصا بعد أن قطعوا صلاتهم بالعباسيين، أن لا تقصر بلادهم عن العراق وفارس والشام ومصر في سلوك سبيل الارتقاء؛ ولذلك كان كثير من خلفائهم يجعلون لهم عمالا في عواصم الشرق ينسخون لهم الكتب التي تؤلف حديثا، ليطلعوا على سير العلم في العهد العباسي الأول والثاني، ويبتاعوا كل ما تطول إليه أيديهم من الأسفار والطرائف؛ لئلا يفوتهم شيء من علم علماء المشرق. على أن الرحلة في طلب الحديث ما انقطعت بين الأندلس والمشرق، وكذلك المشارقة لم يغفلوا عن الرحلة إلى تلك الجزيرة والأخذ عن رجالها، ونقل ما فاتهم من علوم المغاربة.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٠٢