51 «إدلالا منه عليه؛ لما كان يعرف من نصيحته له ولآبائه، وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل بن سهل، وما يكتم عنه من الأخبار، وألا يدعه حتى يرده إلى بغداد دار خلافة آبائه وملكهم؛ ليتوسط سلطانه ويشرف على أطرافه، فعلم الفضل ما يريد فقال للمأمون: إن هرثمة قد أنغل عليك البلاد والعباد وظاهر عليك عدوك.» ولما أدخل هرثمة على المأمون وقد أشرب قلبه ما أشرب من ناحيته ذكر له ما بلغه عنه مما افتراه الفضل، وذهب هرثمة يتكلم ويعتذر ويدفع عن نفسه ما قرف به، فلم يقبل ذلك منه، وأمر به فوجئ على أنفه، وديس بطنه، وسحب من بين يديه ثم قتل.
وكاد المأمون يغلط غلطة رابعة بتخليه عن طاهر بن الحسين: «الذي أبلى
52
في طاعته ما أبلى، وافتتح ما افتتح، وقاد إليه الخلافة مزمومة حتى إذا وطأ الأمر أخرج من ذلك كله، وصير في زاوية من الأرض بالرقة قد حظرت عليه الأموال حتى ضعف أمره فشغب عليه جنده.» وتنوسي حتى لا يستعان به في شيء في الحروب، واستعين بمن هو دونه أضعافا. لكن عقل المأمون تدارك هذه الغلطات، وما إن جاء بغداد حتى قبض على قياد الملك قبضة الرجل الحازم، وظهرت مواهبه ونبوغه في السياسة والإدارة في زمن غلبت الفتنة على قلوب الناس فاستعذبوها، ولا مال له يرضيهم به. وقال يتخوف هائجا يهيج وبيوت المال فارغة: إن الناس في هذه المدينة على طبقات ثلاث: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم. فأما الظالم فليس يتوقع إلا عفونا وإحساننا، وأما المظلوم فليس يتوقع أن ينتصف إلا بنا، ومن كان لا ظالما ولا مظلوما، فبيته يسعه، وما كان إلا كما قال.
وقيل: إن المأمون بكى لما رأى طاهر بن الحسين. فلما سئل عن سبب بكائه، قال: إني ذكرت محمدا أخي «الأمين» وما ناله من الذلة فخنقتني العبرة، فاسترحت إلى الإفاضة ولن يفوت طاهرا مني ما يكره، فبلغ ذلك طاهرا فركب إلى أحمد بن أبي خالد فقال له: إن الثناء مني ليس برخيص، وإن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن عينه. فسعى له بتولية خراسان، وكان قبل ولايته ندبه الحسن بن سهل للخروج إلى محاربة نصر بن شبث فقال: حاربت خليفة وسقت الخلافة إلى خليفة وأؤمر بمثل هذا! وإنما يجب أن توجه لهذا قائدا من قوادي. ثم وسد المأمون إلى عبد الله بن طاهر وهو ابن طاهر بن الحسين الرقة وحرب نصر بن شبث، وولاه البلاد التي في طريقه؛ ليكون حكمه نافذا مهيبا مهيأة له أسباب الظفر من كل وجه؛ وذلك لئلا تتعارض السلطات، ويجمع القائد في العادة بين السلطة العسكرية والسلطة المدنية، وهذا من دقيق سياسة العباسيين. ولما وسدت إلى عبد الله بن طاهر قيادة الجيش لقتال الخارجي ابن شبث كتب إليه أبوه طاهر بن الحسين كتابا تنازعه
53
الناس وكتبوه وتدارسوه، وشاع أمره حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه فقال: ما أبقى أبو الطيب شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأي والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه وأوصى به، وتقدم وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي الأعمال.
ومما ورد في هذا الكتاب في الإدارة: «ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل تكشف أمره بالتهمة؛ فإن إيقاع التهم بالبداء والظنون السيئة بهم مأثم، واجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم وارفضه فيهم، يعنك
54
ذلك على اصطناعهم ورياضتهم ... ولا يمنعنك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، ولتكن المباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحها، والنظر في حوائجهم وحمل مؤناتهم آثر عندك مما سوى ذلك، وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه، ولا تعطل ذلك ولا تهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك، واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب البدع والشبهات؛ يسلم لك دينك، وتستقم لك مروءتك، وإذا عاهدت عهدا فف به، وإذا وعدت الخير فأنجزه، واقبل الحسنة وادفع بها. واغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور وأبغض أهله، وأقص أهل النميمة؛ فإن أول فساد أمرك في عاجل الأمور وآجلها