وكنت إذا حللت بدار قوم
رحلت بخزية وتركت عارا
وأجر أمورك على ما يكسب الدعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدة تنتهي وأيام تنقضي، فإما ذكر جميل، وإما خزي طويل.»
ومما يعد في توسيع السلطة: أن قاضي الرشيد أبو يوسف كان أول من دعي في الإسلام قاضي القضاة، ولم يقع
47
هذا الاسم على غيره كما وقع له فيه، فإنه كان قاضي المشرق والمغرب، فهو قاضي القضاة على التحقيق، والقضاة يعينون باقتراحه، وكان القاضي في العواصم لا يتناول أقل من ألف دينار في السنة، وأجرى على قاضي مصر
48
مائة وثمانية وستين دينارا في كل شهر وهو أول قاض أجري عليه هذا، وأجروا بعد ذلك على القاضي سبعة دنانير كل يوم ثم صار أبو الجيش يجري على قاضيه كل شهر ثلاثة آلاف دينار، وكانوا يجرون على القضاة والعمال الأرزاق من بيت المال من جباية الأرض أو من خراجها والجزية.
والرشيد لا يضن بالمال في سبيل الدولة، والمال وحده لا يكفي الخليفة أمر الفتوق التي تحدث إن لم يكن لها من يوثق بأمانته في تلافي شرها، والرشيد على كثرة بذله المأثور خلف من المال «ما لم يخلف
49
أحد مثله مذ كانت الدنيا؛ وذلك أنه خلف من الأثاث والعين والورق والجوهر والدواب سوى الضياع والعقار ما قيمته مائة ألف ألف وخمسة وعشرون ألف ألف دينار.» قال ابن الأثير كان الرشيد يطلب العمل بآثار المنصور إلا في بذل المال فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخر ذلك.
إدارة الأمين والمأمون
لم يعرف التاريخ شيئا من التدبير الذي جرى عليه الأمين بعد الرشيد؛ لأنه كان يعبث وقلما يجد، شغل نفسه والأمة معظم أيامه بالفتن، لنزع ولاية العهد من أخيه المأمون وتوسيدها إلى ابنه الرضيع، وكان من أثر هذا التطاحن بين الأخوين أن خرب قسم عظيم من مدينة دار السلام، دع غيرها من الأرباض والولايات، وسالت سيول الدماء، وفرق الأمين ما في خزائن الدولة من الأموال والأعلاق والذخائر، حتى دالت الخلافة وضاعت بعد الرشيد، ولم يرزق الأمين وزراء كوزراء أخيه: طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين والحسن بن سهل والفضل بن سهل ثم أحمد بن يوسف وعمرو بن مسعدة وأضرابهم، بل اصطنع من نبذهم أبوه الرشيد، وكان أقصاهم لسوء سيرتهم، فربح المأمون برجاله وعقله، وخسر الأمين برجاله وضعف تدبيره.
وبينا كان المأمون في مرو ينظر في أمور الدولة كان الأمين يوجه «إلى جميع البلدان في طلب الملهين وضمهم إليه، وأجرى لهم الأرزاق، ونافس في ابتياع فره الدواب وأخذ الوحوش والسباع والطير وغير ذلك، واحتجب عن إخوته وأهل بيته وقواده، واستخف بهم، وقسم ما في بيوت الأموال وما بحضرته من الجوهر في خصيانه وجلسائه ومحدثيه ... وأمر ببناء مجالس لمتنزهاته ومواضع خلوته ولهوه ... وأمر بعمل خمس حراقات في دجلة على خلقة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس وأنفق في عملها مالا عظيما.»
ولما حصر الأمين وضغطه
50
الأمر قال: ويحكم أما أحد يستراح إليه! فأتوه برجل من العرب فلما صار إليه قال له: أشر علينا في أمرنا. قال له: يا أمير المؤمنين قد بطل الرأي اليوم وذهب، ولكن استعمل الأراجيف فإنها من آلة الحرب. فكان يضع له الأخبار فإذا مشى الناس تبينوا بطلانها. فالأمين كان يسف إلى ذلك، وأخوه المأمون يعمد إلى القواد والعظماء والعلماء الأعلام يستشيرهم ويأتمنهم.
وغلط المأمون لأول أمره ثلاث غلطات إدارية؛ منها: أنه لم يأت إلى عاصمة ملكه عقيب مقتل أخيه فقضى في الطريق من مرو إلى بغداد سنتين بعد أن أقام بمرو تسع سنين، وكان عليه أن يبادر لجمع القلوب، وكسر شوكة المتلاعبين من القواد. وبايع المأمون بولاية عهده إلى علي بن موسى الرضا وهو في خراسان فأخرج الخلافة من آل العباس، حتى أجمعوا على خلافه وبايعوا بالخلافة إبراهيم بن المهدي في بغداد وخلعوا طاعته. ومنها: أنه سمع لوشاية وزيره الفضل بن سهل في هرثمة بن أعين الذي كان بحسن تدبيره العامل الأول في القضاء على جيوش أخيه الأمين وإيصال الخلافة للمأمون. وكانت أتت هرثمة كتب المأمون أن يلي الشام والحجاز فأبى وقصد إلى المأمون في خراسان