وعمر أول من ندب نفسه للنظر في المظالم في الدولة الأموية فردها؛ وذلك لانتشار الأمر حتى تجاهر الناس بالظلم والتغالب، فاحتاجوا في ردع المتغلبين وإنصاف المغلوبين إلى نظر المظالم الذي تمتزج به قوة السلطة بنصفة القضاء. وما شرهت قط نفس عمر إلى أخذ أموال الناس، بل ما كان يحب أن يأخذ منهم أكثر من الفضل، ويسامح بكثير من هذا الفضل. كتب إليه عامله على العراق أن أناسا قبله قد اقتطعوا من مال الله مالا عظيما ليس يقدر على استخراجه من أيديهم إلا أن يمسهم شيء من العذاب. فكتب إليه عمر: «أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر، كأني لك جنة
99
من عذاب الله، وكأن رضاي ينجيك من سخط الله، فانظر فيما قامت عليه البينة فخذه بما قامت عليه، ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقر به، ومن أنكر فاستحلفه بالله وخل سبيله، فوالله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلي من ألقى بدمائهم.» وكتب إليه عامله على مصر حيان بن شريح: «إن أهل الذمة قد أسرعوا في الإسلام، وكسروا الجزية حتى استلفت من الحارث بن ثابتة عشرين ألف دينار لأتم بها عطاء أهل الديوان.» وطلب إليه أن يأمر بتوقيف الذميين عن انتحال الإسلام، فأجابه عمر: «قد وليتك جند مصر وأنا عارف بضعفك، وقد أمرت رسولي بضربك على رأسك عشرين سوطا، فضع الجزية عمن أسلم، قبح الله رأيك؛ فإن الله إنما بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا.» وكتب إليه عامله على العراق عدي بن أرطاة: «إن الناس قد كثروا في الإسلام حتى خفت أن يقل الخراج.» فكتب إليه: «والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا.» وقال في إحدى خطبه: «وددت أن أغنياء الناس اجتمعوا فردوا على فقرائهم حتى نستوي نحن وهم وأكون أنا أولهم.» ثم قال: «ما لي وللدنيا أم ما لي ولها.»
ولم يشهد مثل تحري عمر في اختيار العمال، وتعليمهم إحسان العمل، وكان يرى كل مظلمة تقع في أقصى البلاد إذا لم يردها ويكشف ظلامة صاحبها، كأنه هو فاعلها أو على الأقل المسئول عنها، وإذا شكي إليه عامل وتحقق ظلمه جاء به مقيدا ولا يخليه من ضرب يوجعه به. وكان لا يفتأ يبحث عن سيرة عماله ورضا الناس عنهم، وإذا عزلهم لا يستعين بهم بعدها أبدا. كتب إلى أحد عماله: «أما بعد، فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرة الله عليك وفناء ما تؤتي إليهم وبقاء ما يأتون إليك.» وكتب إلى عامله على العراق: «إن العرفاء من عشائرهم بمكان، فانظر عرفاء الجند فمن رضيت أمانته لنا ولقومه فأثبته، ومن لم ترضه فاستبدل به من هو خير منه، وأبلغ في الأمانة والورع.» وما كان يضن على عماله بالمشاهرات الحسنة، وقد قيل له: ترزق الرجل من عمالك مائة دينار ومائتي دينار في الشهر وأكثر من ذلك، قال: أراه لهم يسيرا إن عملوا بكتاب الله وسنة نبيه، وأحب أن أفرغ قلوبهم من الهم بمعايشهم. وقال: ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئا.
وأخذ عمر نفسه بالسير في إصلاحه بالتدريج، ناظرا قبل كل اعتبار إلى الدين لا يحيد عن صراطه قيد أنملة، ولو كان في ذلك بعض الضرر على بيت المال أو إدخال بعض الوهن على ما اصطلحوا عليه من قبله؛ إرادة إلقاء الهيبة في النفوس. قال لابنه: ما مما أنا فيه أمر هو أهم إلي من أهل بيتك، هم أهل العدة والعدد وقبلهم ما قبلهم، فلو جمعت ذلك في يوم واحد خشيت انتشاره علي، ولكني أنصف من الرجل والاثنين فيبلغ ذلك من وراءه فيكون أنجع له، فإن يرد الله إتمام هذا الأمر أتمه، وإن تكن الأخرى فحسب عبد الله أن يعلم الله أنه يحب أن ينصف جميع رعيته. وكتب إلى عامله على خراج خراسان: «إن للسلطان أركانا لا يثبت إلا بها؛ فالوالي ركن، والقاضي ركن، وصاحب بيت المال ركن، والركن الرابع أنا، وليس من ثغور المسلمين ثغر أهم إلي ولا أعظم عندي من ثغر خراسان، فاستوعب الخراج وأحرزه في غير ظلم، فإن يك كفافا لأعطياتهم فسبيل ذلك، وإلا فاكتب إلي حتى أحمل إليك الأموال فتوفر لهم أعطياتهم.» ولما وجد خراج تلك البلاد يفضل عن أعطيات جندها وأهلها قسم عمر الفضل في أهل الحاجة.