حرض عبد الملك ابنه على المشاورة في قضاء الأمور لما وسد إليه إمارة مصر قائلا له: «انظر أي بني إلى أهل عملك، فإن كان لهم عندك حق غدوة فلا تؤخره إلى عشية، وإن كان لك عشية فلا تؤخره إلى غدوة، وأعطهم حقوقهم عند محلها؛ تستوجب بذلك الطاعة منهم، وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب؛ فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحق ، واستشر جلساءك وأهل العلم فإن لم يستبن لك فاكتب إلي يأتك رأيي فيه إن شاء الله، وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة
58
الغضب، واحبس عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون، وأنت ساكن الغضب مطفأ الجمرة، فإن أول من جعل السجن كان حليما ذا أناة، ثم انظر إلى أهل الحسب والدين والمروءة فيكونوا أصحابك وجلساءك، ثم ارفع منازلهم منك على غيرهم، على غير استرسال ولا انقباض، أقول هذا وأستخلف الله عليك.» وهذا من أجمل أساليب الإدارة وسياسة الناس: لا تأخير في الفصل بينهم، ولا كذب في الوعود والمواعيد، واستشارة العارفين والعالمين، وجعلهم وحدهم بطانة وسمارا وجلساء، ولا إسراع في إنزال العقوبات حتى يذهب الغضب.
وبلغ عبد الملك أن بعض كتابه قبل هدية فقال له: والله إن كنت قبلت هدية لا تنوي مكافأة المهدي لها إنك لئيم دنيء، وإن كنت قبلتها تستكفي رجلا لم تكن تستكفيه لولاها إنك خائن، وإن كنت نويت تعويض المهدي عن هديته وأن لا تخون له أمانة ولا تثلم له دينا فلقد قبلت ما بسط عليك لسان معامليك، وأطمع فيك سائر مجاوريك، وسلبك هيبة سلطانك. ثم صرفه عن عمله؛ ذلك لأن غاية الخليفة ترتيب قواعد الدولة على أصول نقية من الشوائب، والرشوة من طريق الهدايا تذهب بها حقوق أحد المتنازعين أو حقوقهما معا. وكان عبد الملك بن رفاعة أمير مصر (96) يقول: إذا دخلت الهدية من الباب خرجت الأمانة من الطاق.
وأدخل عبد الملك أمورا جديدة في الإدارة، وهو أول من أفرد للظلامات يوما يتصفح فيه قصص المتظلمين من غير مباشرة للنظر، وكان إذا قعد للقضاء أقيم على رأسه بالسيوف، وينشد قول سعيد بن عريض بن عادياء من يهود الحجاز:
إنا إذا مالت دواعي الهوى
وأنصت الساكت للقائل
واصطرع الناس بألبابهم
نقضي بحكم عادل فاضل
لا نجعل الباطل حقا ولا
نلط
59
دون الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا
فنخمل الدهر مع الخامل
وزاد عبد الملك الجزية، وأقل الجزية دينار وأكثرها مفوض إلى الاجتهاد، استقل ما يؤخذ منها بالجزيرة - وكانت دينارا على كل جمجمة ومدين قمحا، وقسطين زيتا وقسطين خلا، وضعها عليهم عياض بن غنم في الفتح - فأحصى عبد الملك الجماجم، وجعل الناس كلهم عمالا بأيديهم، وحسب ما يكسبه العامل سنته كلها، ثم طرح من ذلك نفقته في طعامه وأدمه
60
وكسوته وحذائه، وطرح أيام الأعياد في السنة كلها فوجد الذي يحصل بعد ذلك لكل واحد أربعة دنانير، فألزمهم ذلك جميعا، وجعلها طبقة واحدة، ثم حمل الأموال على قدر قربها وبعدها،
61
وهذا خلا نوائب الرعية، وهو ما يضربه عليهم الإمام من الحوائج كإصلاح القناطر والطرق وغير ذلك مما فيه عمارة بلادهم.
وفي أيامه نقلت دواوين مصر والشام والعراق من القبطية والرومية والفارسية إلى العربية فكان ذلك من أهم الأسس التي أقيمت في بناء القومية العربية في الممالك الإسلامية كافة، وقطع به آخر مظهر من مظاهر الأعاجم، فأصبحت البلاد عربية بأوضاعها سائرة إلى التعرب بسكانها. وكان كاتب الرسائل سليمان بن سعد الخشني من أهل الأردن أول مسلم ولي الدواوين كلها، وكان يتولاها القبط والروم والعجم، وكان بالبصرة والكوفة
62
ديوانان لإعطاء الجند والمقاتلة والذرية بكتاب العربية، وديوانان بالفارسية، وبالشام ديوان بالعربية لمثل ذلك، وديوان بالرومية، فحول ديوان العراق إلى العربية أبو الوليد صالح بن عبد الرحمن البصري، قدمه لذلك الحجاج فكان كتاب العراقين كلهم غلمانه وتلاميذه