54
الناس في العطاء ولا يفضل أهل السابقة، ويقول: إنما عملوا لله فأجورهم على الله، وإنما هذا المال عرض حاضر يأكله البر والفاجر وليس ثمنا لأعمالهم. وكان عمر يقول: لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه. ولم يقدر عمر الأرزاق إلا في ولاية عمار فأجرى عليه ستمائة درهم مع عطائه لولاته وكتابه ومؤذنيه ومن كان يلي معه في كل شهر. وكان عطاء عثمان بن حنيف خمسة آلاف درهم، وأجرى على عبد الله بن مسعود مائة درهم في كل شهر وربع شاة في كل يوم، وأجرى على شريح القاضي مائة درهم في كل شهر وعشرة أجربة، وإنما فضل عمارا لأنه كان على الصلاة. قال الحسن: وكان عطاء سلمان خمسة آلاف وكان على زهاء ثمانين ألفا من الناس. وأتاه
55
عبد الله بن عمر السعدي فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي من أعمال المسلمين أعمالا فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقال: بلى. فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟ قال: إن لي أفراسا وأعبدا، وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين. فقال عمر: لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت، وكان رسول الله يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني. فقال النبي: خذه فتموله وتصدق به، فما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك.
كان عمر يأمر الناس بالتفقه في الدين، ويجد في إرسال الفقهاء إلى الأمصار يفقهون المؤمنين ويعلمونهم دينهم، وقد لا يرسلهم إلا بعد أخذ رأيهم، ولما أراد أن يرسل سعد بن عبيد، وكان لا يسمى القارئ من الصحابة غيره قال له: هل لك في الشام فإن المسلمين نزفوا وإن العدو قد ذأروا
56
عليهم، وذلك بعد طاعون عمواس. وكان يقول حين خرج معاذ
57
بن جبل إلى الشام: لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها بالفقه، ولقد كنت كلمت أبا بكر - رحمه الله - أن يجلسه لحاجة الناس إليه فأبى علي، وقال: رجل أراد جهادا يريد الشهادة فلا أجلسه.
وفي كتب عمر إلى قضاته وعماله كأبي موسى الأشعري والقاضي شريح وأبي عبيدة ومعاوية وغيرهم قوانين في التشريع والإدارة سنها للمسلمين لا تزال إلى يوم الناس هذا هي المعول عليها، ورسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري جمع فيها «جمل
58
الأحكام، واختصرها بأجود الكلام، وجعل الناس بعده يتخذونها إماما، ولا يجد محق عنها معدلا، ولا ظالم عن حدودها محيصا.» ولقد قالوا: «إذا
59
اختلف الناس في أمر فانظر كيف قضى عمر؛ فإنه لم يكن يقضي في أمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور.» وكان أبدا يأخذ آراء أصحابه لا يقطع أمرا عظيما من دون استشارتهم ويقول: الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين المبرمين، والثلاثة مرار لا يكاد ينتقض. هذا ولو وضع علم عمر في كفة - كما قال ابن مسعود - ووضع علم أحياء العرب في كفة لرجح بهم علم عمر. وأنشد عمر ذات يوم شعر زهير بن أبي سلمى فلما بلغ قوله:
فإن الحق مقطعه ثلاث
يمين أو
60
نفار أو جلاء
جعل يتعجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها ويقول: لا يخرج الحق من إحدى ثلاث، إما يمين أو محاكمة أو حجة.
وكانت المدينة في أيامه أشبه بمدرسة يتخرج به فيها القضاة والعمال والقواد والأمراء، فلا يبعث إلى الأمصار إلا من اختبره في الجملة، وقلما أخطأت فراسته في الناس، وهو المثل الأمثل في جده. كان كعب بن سور جالسا عند عمر فجاءته امرأة تشتكي زوجها فقال لكعب: اقض بينهما، فلما قضى بما أعجبه وما لم يخطر له ببال قال لكعب: اذهب قاضيا على البصرة. ساوم عمر بفرس فركبه ليشوره
61
فعطب فقال للرجل: خذ فرسك. فقال الرجل: لا. قال: اجعل بيني وبينك حكما. قال الرجل: شريح. فتحاكما إليه فقال شريح: يا أمير المؤمنين خذ ما ابتعت، أو رد كما أخذت. فقال عمر: وهل القضاء إلا هكذا، سر إلى الكوفة. فبعثه قاضيا عليها. قالوا: وإنه لأول يوم عرفه فيه، وبقي شريح قاضيا هناك ستين سنة.