تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وها هنا نحن أولاء نبدأ الليلة في الكلام على الإدارة في عهد الرسول، وعمدتنا فيما نقتبس كتب الثقات والأمهات المعتبرة، وخطتنا أن نتحامى الاستنتاج بالمقياس الواسع إذا كانت الوثائق التي لدينا غير كافية. ومن الصعب على من يتوخى العدل أن يحكم على الشبهة ويجسم الصغير ، وإذا فعل يكون الحق في واد وهو في واد آخر، وهذا مما لا يليق بباحث غرضه الوصول إلى النور، وإيصاله إلى من يهمهم أن يستصبحوا به في موضوعات يشق على كل إنسان خوض عبابها.

| إدارة الرسول

دعا الرسول إلى الإسلام لأول مبعثه ثلاث سنين سرا، ولما اضطهد المشركون من قريش أصحابه أرادهم على التفرق في البلاد، وأشار إليهم بالهجرة مع نسائهم إلى أرض الحبشة؛ علما منه بأن صاحبها يحسن جوارهم ولا يظلمهم ويعنتهم، ثم دعا المسلمين إلى المهاجرة الثانية فرارا بدينهم من أذى قريش الذين اشتدوا عليهم، ومن جملة هذا الأذى أنهم كانوا يلبسون المستضعفين من المؤمنين برسالة الرسول أدراع الحديد، ثم يصهرونهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس. وكانوا يلصقون ظهر بعضهم بالرضف

1

حتى ذهب لحم متنه. وعن ابن عباس: «والله إن كان المشركون ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، وحتى يقولوا له: آللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم.» فكان الأمر بالهجرة أولا وثانيا أول تدبير إداري من الرسول، أنقذ به أصحابه من عنت المشركين، ريثما تستحكم قواه فيعود على أعدائه يعرفهم أقدارهم، ويناقشهم أوزارهم.

وصححوا حديث: «لا هجرة بعد الفتح.» وقالوا: إن الهجرة

2

كانت واجبة في أول الإسلام على ما دل عليها الحديث، ثم صارت مندوبا إليها غير مفروضة، وذلك قوله تعالى:

ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما

3

كثيرا وسعة

نزلت حين اشتد أذى المشركين على المسلمين عند انتقال رسول الله إلى المدينة، وأمروا بالانتقال إلى حضرته ليكونوا معه، فيتعاونوا ويتظاهروا إن حزبهم أمر، وليتعلموا من أمر دينهم ويتفقهوا فيه، وكان أعظم الخوف في ذلك الزمان من قريش وهم أهل مكة، وكان جميع من لحق بأرض الحبشة من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها نيفا وثمانين رجلا وثمان عشرة امرأة. وقال الرسول: «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك.» قيل: لم يا رسول الله؟ قال: «لا تراءى ناراهما.»، أي: يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله، ولكن ينزل مع المسلمين في دارهم. وإنما كره مجاورة المشركين لأنهم لا عهد لهم ولا أمان، وحث المسلمين على الهجرة.

ولما ظهر الإسلام على الشرك طفق الرسول يدعو إلى دينه جهرة، وأخذ يرسل أمثل من دخلوا في الإسلام من الرجال لتلقين العرب الدين وأخذ الصدقات منهم. وإذا وفد عليه وافد يعهد إليه أن يعلم قومه دينهم و«إمام كل قبيلة منها لنفور طباع العرب أن يتقدم على القبيلة أحد من غير أهلها»، وإذا كان الوافد من رءوس قبيلة يوسد إليه جباية الفيء، ويأمره أن يبشر الناس بالخير، ويعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، ويوصيه أن يلين للناس في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، وأن ينهاهم إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر؛ ليكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، وأن يأخذ خمس الأموال وما كتب على المسلمين في الصدقة، وأن من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه ودان دين الإسلام؛ فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يفتن

4

عنها. وبعث معاذا إلى اليمن

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٢