فكأنني قوس الغمام إذا بدا
والشمس مولانا أبو الحجاج
لا زال محروس المثابة ما غدا
بيت الإله مثابة الحجاج
وكتب على القبة:
تحييك مني حين تصبح أو تمسي
ثغور المنى واليمن والسعد والأنس
هي القبة العليا ونحن بناتها
ولكن لي التفضيل والعز في جنسي
جوارح كنت القلب لا شك بينها
وفي القلب تبدو قوة الروح والنفس
وإن كان أشكالي بروج سمائها
ففي عدا ما بينها شرف الشمس
ومما كتب أيضا على بركة صحن الأسود، وهو من نظم الوزير أبي عبد الله محمد بن يوسف بن زمرك تلميذ لسان الدين بن الخطيب:
تبارك من أعطى الإمام محمدا
مغاني زانت بالجمال المغانيا
وإلا فهذا الروض فيه بدائع
أبى الله أن يلفى لها الحسن ثانيا
ومنحوتة من لؤلؤ شف نورها
تحلى بمرفض الجمان النواحيا
يذوب لحين سال بين جواهر
غدا مثلها في الحسن أبيض صافيا
تشابه جار للعيون بجامد
فلم ندر أيا منهما كان جاريا
ألم تر أن الماء تجري بصفحها
ولكنها مدت عليه المجاريا
كمثل محب فاض بالدمع جفنه
وغيض ذاك الدمع إذ خاف واشيا
وهل هي في التحقيق غير غمامة
تفيض إلى الآساد منها السواقيا
وقد أشبهت كف الخليفة إذ غدت
تفيض إلى أسد الجهاد الأياديا
فيا من رأى الآساد وهي روابض
عداها الحيا عن أن تكون عواديا
ويا وارث الأنصار لا عن كلالة
تراث جلال تستخف الرواسيا
عليك سلام الله فاسلم مخلدا
تجدد أعيادا وتبلي أعاديا
ومما كتب في إحدى القاعات أيضا من نظم الوزير ابن زمرك:
أنا الروض قد أصبحت بالحسن حاليا
تأمل جمالي تستفد شرح حاليا
أباهي من المولى الإمام محمد
بأكرم من يأتي ومن كان ماضيا
ولله مبناه الجميل فإنه
يفوق على حكم السعود المبانيا
فكم فيه للإبصار من متنزه
تجد به (؟) نفس الحليم الأمانيا
تبيت له خمس الثريا معيذة
ويصبح معتل النواسم راقيا
به القبة الغراء قل نظيرها
ترى الحسن فيها مستكنا وباديا
تمد لها الجوزاء كف مصافح
ويدنو لها بدر السماء مناجيا
تهوي النجوم الزهر لو ثبتت بها
ولم تك في أفق السماء جواريا
ولو مثلت في ساحتيها وسابقت
إلى خدمة ترضيه منها الجواريا
ولا عجب إن فاقت الشهب في العلى
وإن جاوزت فيها المدى المتناهيا
فبين يدي مولاي قامت لخدمة
ومن خدم الأعلى استفاد المعاليا
بها البهو قد حاز البهاء وقد غدا
به القصر آفاق السماء مباهيا
وكم حلة قد جللته بحليها
من الوشي تنسي السابري اليمانيا
وكم من قسي في ذراه ترفعت
على عمد بالنور بانت حواليا
فتحسبها الأفلاك دارت قسيها
تظل عمود الصفح إذ لاح باديا
سواري قد جاءت بكل غريبة
فطارت بها الأمثال تجري سواريا
به المرمر المجلو قد شفت نوره
فيجلو من الظلماء ما كان داجيا
إذا ما أضاءت بالشعاع تخالها
على عظم الأجرام منها لآليا
فلم نر قصرا منه أنعم نضرة
وأعطر أرجاء وأحلى مجانيا
مصارفه النقدين منه بمثلها
أجاز بها قاضي الجمال التقاضيا
فإن ملأت كف النسيم مع الضحى
دراهم نور ظل عنها مكافيا
فيملأ حجر الروض حول غصونها
دنانير شمس تترك الروض حاليا
ومن الأبيات اللطيفة:
وجاد بها برد الهواء نسيمها
فصحت هواء والنسيم قد اعتلا
وقد حزت من كل المحاسن غاية
تقبس عنها الشهب في الأفق الأعلا
وإني بهذا الروض عين قريرة
وإنسان تلك العين حقا هو المولى
وفي الأندلس إلى اليوم على كثرة ما انتاب مصانعها وقلاعها ومدارسها وتربها وجسورها وسدودها من التخريب لا تزال ترى بعض كتابات من النظم والنثر، وبعضها مثال البلاغة والفصاحة؛ لأن الأندلسيين عاشوا وتنعموا في أرض معتدلة الهواء جميلة الطبيعة فلا بدع أن جادت القرائح على تلك النسبة، وظهرت في كتابهم وشعرائهم آثار الإبداع والإعجاب.
الفصل الثامن عشر
| ذكرى مؤلمة
مضت أعوام تلتها أعوام، والنفس تتحدث بالارتحال إلى الأندلس المحبوبة، تستنفض معالمها، وتستبطن معاهدها ومصانعها، فتتدبر، وتدكر، وتستفيد، وتفيد، ولما أتاحت لها الأقدار، بلوغ تلك الأمصار، عرض لها ما كدر صفو تلك الذكرى، ذكرى التطواف في الأندلس بعد عزها للاعتبار، بالدمى والأحجار، واستنطاق الآثار، واستقراء الأخبار؛ لمعرفة عمل العرب في تلك الديار.