تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال آخر: وأما كتب علم الموسيقى فكتاب أبي بكر بن باجة الغرناطي من ذلك فيه كفاية، وهو في الغرب بمنزلة أبي نصر الفارابي بالشرق، وإليه تنسب الألحان المطربة بالأندلس التي عليها الاعتماد، وليحيى الخدج كتاب الأغاني الأندلسية على منزع الأغاني لأبي الفرج، وهو ممن أدرك المائة السابعة، قال صاعد: ولما افترق الملك في صدر المائة الخامسة من الهجرة بين ملوك الطوائف، واقتعد كل منهم قاعدة من أمهات البلاد، فاشتغل بهم ملوك الحاضرة العظمى قرطبة من امتحان الناس، واضطرت الفتنة إلى بيع ما كان بقصر قرطبة من ذخائر ملوك الجماعة من الكتب وسائر المتاع، فبيع ذلك بأوكس ثمن وأتفه قيمة انتشرت تلك الكتب بأقطار الأندلس، ووجد في خلالها أعلاق من العلوم القديمة كانت أفلتت من أيدي الممتحنين بحركة الحكم أيام المنصور بن أبي عامر، وأظهر أيضا كل من كان عنده من الرعية شيء ما كان لديه منها، فلم تزل الرغبة ترتفع من حين ذلك في طلب العلم القديم شيئا فشيئا، ثم أبيحت تلك العلوم إلى أن زهد الملوك فيها وفي غيرها فقل طلاب العلم، وصاروا أفرادا بالأندلس.

فمن أعلام هذه العلوم على ذاك العهد أبو غالب بن عبادة الفرائضي كان مشهورا بعلم العدد وأبو أيوب عبد الغافر بن محمد أحد المهرة بعلم الهندسة، وعبد الله بن محمد المعروف بالسري كان عالما بالعدد والهندسة، وكان ينسب إليه العلم بصناعة الكيمياء، ومنهم أبو بكر بن أبي عيسى كان مقدما في العدد والهندسة والنجوم وسائر العلوم الرياضية فكان يجلس لتعليم ذلك العلم في أيام الحكم، وعبد الرحمن بن إسماعيل بن زيد المعروف بالإقليدي كان متقدما في علم الهندسة معتنيا بصناعة المنطق، وأحمد بن حماد القرطبي (331) عالم بالحساب والهندسة وأبو القاسم أحمد بن محمد العدوي كان معلما يعلم العدد والهندسة نافذا فيها، وأبو عثمان سعيد بن فتحون بن مكرم المعروف بالخمار السرقسطي كان متحققا إماما في علم النحو، وله تآليف في الموسيقى ورسائل في الفلسفة، وأبو القاسم مسلمة بن أحمد المعروف بالمرحيط كان إمام الرياضيين في الأندلس في وقته، وأعلم ممن كان قبله بعلم الأفلاك، وكانت له عناية بأرصاد الكواكب، وله كتاب حسن في تمام علم العدد، وهو المعني المعروف بالمعاملات، وكتاب اختصر فيه تعديل الكواكب من زيج البتاني، وعني بزيج محمد بن موسى الخوارزمي، وصرف تاريخه الفارسي إلى التاريخ العربي، ووضع أوساط الكواكب لأول تاريخ الهجرة، وزاد فيه جداول حسنة توفي في سنة 398، وقد أنجب تلاميذ جلة، ولم ينجب عالم بالأندلس مثلهم، فمن أشهرهم: ابن السمح، وابن الصفار، والزهراوي، والكرماني، وابن خلدون.

فأما ابن السمح القاسم أصبغ بن محمد بن السمح المهندس: فكان متحققا بعلم العدد والهندسة، متقدما في علم هيئة الأفلاك وحركات النجوم، وكانت له مع ذلك عناية بالطب، وله تواليف حسنة في الهندسة وعمل الأسطرلاب والأزياج ومنها زيجه الذي ألفه على أحد مذاهب الهند المعروف بالسند هند توفي سنة 426.

وأما ابن الصفار فهو أبو القاسم أحمد بن عبد الله بن عمر، كان متحققا أيضا بعلم العدد والهندسة والنجوم، وقعد في قرطبة لتعليم ذلك، وكان له أخ يسمى محمدا مشهور بعمل الأسطرلاب لم يكن بالأندلس قبله أجمل صنعا لها منه.

وأما الزهراوي فهو أبو الحسن علي بن سليمان كان عالما بالعدد والهندسة معتنيا بعلم الطب.

وأما الكرماني فهو أبو الحكم عمرو بن عبد الرحمن من أهل قرطبة، أحد الراسخين في علم العدد والهندسة، رحل إلى الشرق وانتهى إلى حران من بلاد الجزيرة، وعني هناك بعلم الهندسة والطب، ثم رجع إلى بلاد الأندلس، وجلب معه الرسائل المعروفة برسائل إخوان الصفا، ولم يدخلها أحد من أهل الأندلس قبله، ومحله من العلوم النظرية المحل الذي لا يجارى فيه، توفي بسرقسطة سنة 458.

غابر الأندلس وحاضرها · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غابر الأندلس وحاضرهاص ١٧