وقد حافظ أكثر أقسام هذه الشوارع الأخيرة على حالتها القديمة، ونصيبها من التجدد والعمران ضئيل، ويخيم عليها مظهر الكآبة والفقر، ولولا وفرة الأبنية الأثرية التي تزين هذه الشوارع لما امتازت عن عمران قرية من القرى. وأشهر آثارها إذا ابتدأنا من الشمال جامع درويش باشا وتربته، والمدرسة السباهية «كافل سيباي»، وجامع العجمي، وتربة بهادر آص، والمدرسة الصابونية، وتربة الشيباني، وتربة الشيخ حسن، وجامع جوبان، وجامع صهيب، وجامع منجك، وجامع فلوس، وزاوية سعد الدين، والمدرسة الفونشلية، والمدرسة الرشيدية، وقد أحيطت المدينة القديمة منذ عهد قريب بشوارع جديدة إحاطة السوار بالمعصم؛ حتى يتجه العمران إليها وتخف وطأة الازدحام في شوارع المدينة الرئيسية.
لا يتأتى لمن يجول في المدينة القديمة أن يظفر بجميع محاسنها على وجه السرعة، اللهم إلا ما يشاهده من مساجد وخانقهات وحمامات وبيمارستانات عمرت في شوارع ضيقة وبين أبنية وضيعة، قد يستغرب المرء تشييدها بينها، ويدهش للبون الشاسع والتناقض الصريح بين مظهريهما، ولا يمكن أن يدرك سر وجودها في هذا الوسط الحقير بمظهره، ما لم يجتز هذه الجدران البسيطة ويطلع على ما وراءها ليرى دورا شرقية كصور ألف ليلة وليلة، فيها باحات واسعة مرخمة بالمرمر تظللها الأشجار والرياحين، وإيوانات شارعة، وقاعات مزخرفة، وبرك ماء جارية تبهج الأبصار وتنعش النفوس، وعندئذ تتجلى له حقيقة دمشق وما كانت عليه من العظمة في العصور القديمة، ويدرك سبب شهرتها وافتتان الناس قديما بمحاسنها، وإكثار الشعراء من وصفها.
وعلى ذكر الشوارع لا بد من الإشارة إلى أن بعض أسواق المدينة لا تزال مغطاة غير مكشوفة على نحو ما كانت الشوارع في معظم بلاد الشرق قديما، ومن الشوارع المسقوف بجملون من حديد أو حجر أو خشب وطين، مثل سوق مدحت باشا، وسوق الذراع، وسوق الأورام، وسوق الحرير والقوافين والسكرية، وسوق القطن، ومصلبة باب السريجة وباب الجابية والسنانية.
وقد امتد البناء الجديد في غرب سفح جبل قاسيون حتى اتصل بمحلة الصالحية وحي الأكراد وساحة الشهداء، وتقدر مساحة ما تجدد من المساكن في هذه المنطقة بثلث مساحة المدينة القديمة، ويربط الأحياء القديمة بالأحياء الجديدة خط ترام طوله 3200 متر، يمر من جادة الصالحية حتى المهاجرين، ويتفرع عنه خط ثان من الجسر متجها إلى حي الشيخ محيي الدين طوله 1000 متر، ومصور الأحياء الجديدة والصالحية يشبه طيارة مطاردة، جناحها الأيمن حي الأكراد والصالحية، وجناحها الأيسر حي المهاجرين، ومؤخرتها محلة عرنوس والشهداء، وهذه الأقسام خالية من كل أثر قديم، أما محلة الأكراد والصالحية فغنية بالأبنية الأثرية، وأشهرها المدرسة العمرية، والتربة الخانوتية، والبدرية، والمدرسة الأتابكية، والجامع المظفري، والمدرسة الجهاركسية، والركنية، والصاحبة، والبيمارستان القيمري، وتربة السيدة حفيظة، والخاتونية، والمدرسة المرشدية، والتربة القيمرية، والتكريتية، وجامع محيي الدين ابن عربي، ومعظم هذه الأبنية من العهد الأيوبي.
وأما أحدث الأبنية وأجمل القصور فتقوم غربي محلتي الشهداء وعرنوس، حيث تنشأ أحياء المدينة القديمة والحديثة عظيمة جدا من حيث طراز البناء والعادات، فبينما نرى المدينة القديمة لم تزل حريصة على تقاليدها الشرقية الإسلامية، نرى عكس ذلك في الأحياء الجديدة، حيث أصبح السفور ولبس القبعات وكشف الرأس ولبس «الشورت» وحف الشاربين من الأمور المألوفة التي لا تنكر.
إن الأقسام الجديدة هي مناطق سكن، ليس فيها سوى حوانيت بسيطة في جادة الصالحية، وقد اختار الأجانب هذه المنطقة لسكناهم، وفيها البرلمان السوري، والقصر الجمهوري، ودوائر السلطة الفرنسية، والقنصليات، والمعاهد الأجنبية.