ومن أهم ما يستلزمه اتساع العمران وفرة السكان أن تنشأ لدمشق مقبرة عظيمة بعيدة عن أقصى حدود المدينة، يلزم الأهلون بأسرهم بالدفن فيها بعد الآن، وتغرس المقابر القديمة التي أصبحت ممتزجة بالدور والحوانيت أشجارا ورياحين، بحيث لا يمضي خمسون سنة حتى تندثر معظم القبور القديمة وتبقى قبور العظماء الراقدين في تلك الترب، وبذلك تجمع دمشق إلى رعاية الصحة زينتها بحدائق تليق بعظمتها التاريخية، وهذا من أعمال المجالس البلدية، وقد آن أن يطلب منها مثل تلك المطالب بعد أن دخلت في طور البلديات في الجملة، أي أصبحت ذات قانون وذات هندسة ولها تصميمات ومصورات، والواجب على الأهلين أن يعاونوها على تحقيق رغائبها، ولو فعلوا مختارين لا مكرهين لما قامت بعض العمائر المستحدثة متشابكة متراصة في بنائها. والبلدية هنا خطت خطوات، وقد رأيناها قبل أربعين سنة تبيع العرصات الواقعة في جادة الميدان، وتسمح للأهلين أن يبنوا حواصل وحوانيت ودورا أمام واجهات الجوامع والمدارس، فتورث تلك الجادة العريضة بشاعة وشناعة. وكان ديوان الحسبة قبل تأسيس البلديات في القرن الماضي يتولى من المدينة كل ما له صلة بالبناء والطرق والصحة وغير ذلك، ثم ضعفت هذه الحركة وضعفت مشخصاتها وأهمها الهندسة، فقد فقدت في أكثر ما قام من العمران، فأصبح كل بان يبني كيف يشاء بما شاء من مواد البناء.
ومن الأبنية الحديثة سراي الحكومة، والمجلس البلدي، ودار الشرطة، والثكنة الحميدية، ومدرج الجامعة السورية، ودار التوليد، ودار الآثار، ودائرة الأملاك العقارية، ودار الأوقاف، ودار الصحة، ودار الندوة «البرلمان»، ومدرسة التجهيز، ووكالة العابد. ومن الفنادق الحديثة أوريان بالاس، وفندق أمية، وهما أعظم الفنادق، والفنادق القديمة تتداعى وتخلفها فنادق من الطراز الحديث، كما خربت فنادق القرون الوسطى ودور الضيافة، ولم يعرف لها أثر ولا خبر.
عرفنا بما أسلفنا أن عمران دمشق كان يمتد كثيرا في الأيام التي تنجو فيها من آفات الطبيعة وعدوان الظالمين، ويظهر عليها الغنى والرفاهية، ومن شأن الخلق إذا أمنوا واطمأنوا أن يتوسعوا في عيشهم، ويظهروا فضل النعم عليهم.
| خطط دمشق ومصانعها
تنقسم
1
دمشق اليوم إلى قسمين متجاورين، المدينة القديمة والمدينة الحديثة، يقوم القسم القديم حول جامع بني أمية والقلعة داخل السور وظاهره، وقد حافظت أحياؤه على مظهرها القديم وعلى ما كانت عليه منذ مئات من السنين، ويخترق هذه المنطقة من الغرب إلى الشرق شارعان، الأول شارع الملك فيصل يمتد شمال سور المدينة، ويصل ساحة الشهداء بمحلتي القصاع وباب توما، ويمر فيه خط ترام طوله أحد عشر كيلومترا يصل دومة بدمشق، وفي هذا الشارع حوانيت العلافين والحدادين وبائعي البقول والأثمار وحواصل الخشب، وفيه سوق الخضروات، وفيه جامعان أثريان: جامع السادات، وجامع المعلق.
والشارع الثاني سوق مدحت باشا يقع إلى الجنوب وداخل السور، وهو جزء من الشارع المستقيم القديم الذي يصل باب الجابية بالباب الشرقي، وتكثر في هذا الشارع متاجر النسيج الوطني والأعبئة والكوفيات والعقل والنحاسون، وبين هذين الشارعين شارع ثالث وهو سوق الحميدية جنوبي القلعة، وينفذ منه إلى جامع بني أمية، وهو من أهم شوارع المدينة، تتمركز فيه الحركة التجارية، وفيه أكبر مخازن المصنوعات الأجنبية، وبين هذا الشارع وشارع مدحت باشا تتجدد اليوم محلة سيدي عمود التي قضى عليها حريق عام 1925، ويعارض هذه الشوارع عدد كبير من الطرق والأزقة ليسهل اتصال هذه الشوارع بعضها ببعض. وهنالك عدة شوارع متسلسلة تمتد من شمال المدينة إلى جنوبها، تبتدئ من ساحة الشهداء فتخرق محلة السنجقدار وباب الجابية والسنانية والسويقة وباب المصلى والميدانين التحتاني والفوقاني، وتنتهي عند باب مصر الواقع في أقصى جنوب المدينة، منه كان يخرج حجاج بيت الله الحرام. في هذا الشارع خط ترام طوله ثلاثة كيلومترات ونصف كيلومتر، وفيه عدد كبير من المتاجر البسيطة معظم علاقتها مع القرويين، ولا سيما الميدان وباب المصلى مركز تجارة الحبوب.