تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أهم القصور القديمة القصر الذي بناه المأمون بين دمشق وداريا، ولا يعرف اليوم محله، وفيه نزل المتوكل العباسي لما نقل دواوين الخلافة من بغداد إلى دمشق، وكان المأمون معجبا بما ترك الأمويون من الآثار، ولا سيما جامعهم، قال صاحب الأغاني: إن المأمون دخل دمشق فطاف فيها، وجعل يطوف على قصور بني أمية ويتتبع آثارهم، فدخل صحنا من صحونهم، فإذا هو مفروش بالرخام الأخضر كله، وفيه بركة يدخلها الماء ويخرج منها من عين تصب إليها، وفي البركة سمك، وبين يديها بستان على أربع زواياه سروات كأنها قصت بمقراض من التفافها.

كانت صورة دمشق على شكل مربع الأضلاع مستطيل، ولها ثمانية أبواب، وربما زاد عدد الأبواب في بعض العصور، وردمت بعض الأبواب الأخرى، وأحسن بعض المتأخرين من أهل دمشق إذ قال:

دمشق في أوصافها

جنة خلد راضية

أما ترى أبوابها

قد جعلت ثمانية

وكانت متاجر المدينة وأسواقها داخل السور، والبناء في ربضها يكثر ويقل تبعا للأمن وقوة السلطان، فقد كانت في القرن السادس أحياء العقيبة والشاغور والمزاز وقبر عاتكة والشويكة والقنوات وسويقة صاروجا «سوق ساروجا» والعنابة من الأحياء الخارجة عن السور، ثم اتصلت بالمدينة كما اتصل ميدان الحصا بها، وكان الميدان قرية في الجنوب تربطها بالمدينة تلك الجادة العظمى من باب الجابية إلى باب مصر أو بوابة الله.

وكان الشرف الأعلى والأدنى في غربي المدينة عامرين بقصور الأغنياء ورجال الدولة، وفيها المدارس الحسان والمساجد والأسواق إلى القرن التاسع، فسطا عليها الخراب، وكذلك كان شأن محلة العنابة، فإنها خربت حوالي ذلك العصر، وعمرت الصالحية في سفح قاسيون من الشمال في القرن الخامس والسادس حتى أصبحت بمدارسها وجوامعها وأسواقها وخاناتها مدينة برأسها، ثم تحيفها الخراب في العصور التالية، ونهضت قليلا في العصر الحديث، فالعمران كان يمتد إلى الجنوب وإلى الشمال وإلى الغرب، وربما حال دون امتداده إلى الشرق وجود محلتي النصارى واليهود في ذاك السمت.

وجاء زمن والعمران متصل بدمشق من الغرب إلى الربوة، وكانت هذه عامرة أشبه ببلدة صغيرة فيها مدارس وجوامع وأسواق ومقاصف وحمامات، وفيها قصور الأغنياء، وإلى جنبها قصر الفقراء الذي بناه نور الدين محمود بن زنكي ليصطافوا فيه كما يصطاف السراة، ووقف عليه قرية داريا من أعظم قرى الغوطة، وفي ذلك يقول الوداعي:

إن نور الدين لما أن رأى

في البساتين قصور الأغنياء

عمر الربوة قصرا شاهقا

نزهة مطلقة للفقراء

وحرق قصر الإمارة في فتنة الفاطميين، فبقيت دمشق بدون دار إمارة، ولما ملكها تاج الدولة تتش في سنة 471 بنى دار الإمارة في القلعة، وزاد فيها شمس الملوك دقاق، وأنشأ بابين للقلعة مع دار المسرة فيها والحمام المحدث على صيغة اخترعها، وبنية افترعها، وصفة آثرها.

ولا أثر لما بناه جعفر بن فلاح لما فتح دمشق للفاطميين سنة 358، وكان نزل بظاهر سور دمشق فوق نهر يزيد، وأقام أصحابه هناك الأسواق والمساكن، وصارت شبه مدينة، واتخذ لنفسه قصرا عجيبا من الحجارة، وجعله عظيما شاهقا في الهواء، غريب البناء، وهذا القصر من المفقود، كما أنه لا أثر لما بناه الأشرف بن العادل من القصور والمتنزهات الحسنة في القرن السادس، ولم يبق أثر لقصور السكسكي التي كانت بهجة الأنظار في القرن الثالث في إقليم بيت لهيا على نحو ميل من شمالي دمشق، وكانت في أملاكه هناك عدة قصور مبنية بالحجارة والخشب الصنوبر والعرعر، في كل قصر منها بستان ونهر يسقيه، وكان كل جليل يقدم من الخضرة أي من بغداد، أو من مصر يريد الخضرة ينزل عنده في قصره، وما خلا عصر من مثل هذه القصور يقيمها أهل اليسار من التجار وغيرهم أو رجال الدولة وأصحاب الوجاهة. وفي العصور الحديثة شيدت قصور كثيرة في المدينة وربضها، ومنها ما أنفق عليه من أموال مغصوبة فخربت بعد قليل، «والحجر المغصوب في البناء أساس الخراب» كما قيل. وكان في الصالحية محل يسمى القصر عمره أبو البقاء الصفوري سنة 1035ه، وكان يقال له صاحب القصر، ولا يعرف هذا القصر ولا القصر الذي كان في الصالحية أيضا لحسين بن قرنق وعمره في سنة 1077ه، وكان يضرب المثل بقاعته، وكان ابن قرنق صدر دمشق عمر الأماكن البهية، ومن جملتها هذا القصر.

دمشق مدينة السحر والشعر · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دمشق مدينة السحر والشعرص ١٤