الجامع الأموي.
وكان طول الحرم الأصلي من الشرق إلى الغرب 1300 قدم، وعرضه من الشمال إلى الجنوب 1000 قدم، فهو ربع مساحة دمشق في تلك الأيام، أنفق الوليد على تشييده وتزيينه خراج الشام سنتين، وقيل أكثر من ذلك، وكان خراجها ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار كل سنة، فجاء أجمل جامع في الإسلام يليق بعاصمة الخلافة الإسلامية، وبقي على جماله إلى سنة 461ه أيام ذهبت محاسنه في الحريق الذي وقع في دولة الفاطميين، وقد حرق ست مرات في عصور مختلفة، وكان آخر حريق أصابه في سنة 1310ه، فأعيد إلى ما كان عليه كما كان يعاد في كل حريق، وأصيب غير مرة بزلازل فتفطرت بعض أركانه وشراريفه ومآذنه الثلاث.
ولنابغة بني شيبان في الوليد باني الجامع الأموي من قصيدة مدحه بها، ويصف بدائع هذا الجامع:
قلعت بيعتهم عن جوف مسجدنا
فصخرها عن جديد الأرض منسوف
كانت إذا قام أهل الدين فابتهلوا
باتت تجاوبنا فيها الأساقيف
أصوات عجم إذا قاموا بقربتهم
كما تصوت في الصبح والخطاطيف
فاليوم فيه صلاة الحق ظاهرة
وصادق من كتاب الله معروف
فيه الزبرجد والياقوت مؤتلق
والكلس والذهب العقيان مرصوف
ترى تهاويله من نحو قبلتنا
يلوح فيه من الألوان تفويف
يكاد يعشى بصير القوم زبرجه
حتى كأن سواد العين مطروف
وفضة تعجب الرائين بهجتها
كريمها فوق أعلاهن معطوف
وقبة لا تكاد الطير تبلغها
أعلى محاريبها بالساج مسقوف
لها مصابيح فيها الزيت من ذهب
يضيء من نورها «لبنان» و«السيف»
فكل إقباله والله زينه
مبطن برخام «الشام» محفوف
في سرة الأرض مشدود جوانبه
وقد أحاط بها الأنهار والريف
فيه المثاني وآيات مفصلة
فيهن من ربنا وعد وتخويف
ووصف ابن منقذ الكناني هذا الجامع بقوله:
وكأن جامعها البديع بناؤه
ملك يمير من المساجد جحفلا
ذو قبة رفعت فضاهت قلة
ومنابر بنيت فحاكت معقلا
تبدو الأهلة في أعاليها كما
يبدو الهلال تعاليا وتهللا
ويريك سقفا بالرصاص مدثرا
يعلو جدارا بالرخام مزملا
قد ألف الأقوام بين شكوله
فغدا الرخام بذاته متشكلا
لم يرض تجليلا بجص فانبرى
بالفص يعلو والنضار مجللا
يعشى سوام اللحظ في أرجائه
عن عسجد أرضا ومن فص حلا
فإذا تذر الشمس فيه تخاله
برقا تألق أو حريقا مشعلا
فكأنما محرابه من سندس
أو لؤلؤ وزمرد قد فصلا
وتخال طاقات الزجاج إذا بدت
من للحظك عبقريا مسدلا
تبدو القباب بصحنه لك مثلما
تبدو العرائس بالحلي لتجتلى
وعلت به فوارة من فضة
سالت فظنوها معينا سلسلا
وببابه حركات ساعات إذا
فتحت لها باب تراجع مقفلا
وفي أيام الوليد كان الناس يتكلمون في البنايات والعمائر لزيادة رغبته في البناء، فبنت الناس المجالس الحسان عملا بسنة الخليفة، وهو الذي عمر الضياع، وحفر الآبار، وأقام المنارات في الطرق، وهدم المساجد القديمة وزاد فيها، وشيد دور المرضى، وكان إذا ازدادت أموال الجباية ولم يجد أحدا يقبل الصدقات يبني بها المساجد، وشيد من جاء بعده الفنادق ودور الضيافة والخانات، وكل ما يسهل العيش ويجلب الراحة.
وظل الدمشقيون يسيرون على خطة خليفتهم الوليد في عمارة بلدهم في القرون التالية لم ينزع منهم هذا الغرام، حتى قال بعض المؤرخين إن للدمشقيين في ظاهر مدينتهم وداخلها من القصور الجميلة ما يدل على شدة ولعهم بإتقان مصانعهم والحرص على آثارهم، وهذه الخلة مشاهدة فيهم إلى اليوم، وعندهم أن من النقص في صاحب السعة ألا يملك دارا قوراء منجدة بالفرش الجيد، مستجمعة أسباب الراحة والنعيم.
عمرت دمشق في العهد الأموي عمرانا ما عهدت مثله في القرون الغابرة ولا في القرون اللاحقة، فأبقى كل واحد من خلفاء بني أمية أثرا فيها، مع أن ملكهم لم يدم أكثر من ألف شهر، وجاء العباسيون فكان بعض المتقدمين من خلفائهم كالرشيد والمأمون يختلفون إليها، كما قال ابن عساكر، طلبا للصحة وحسن المنظر، فقد أقام بها المأمون وأجرى إليها قناة من نهر منين إلى معسكره بدير مران، وبنى القبة في أعلى الجبل وصيرها مرقبا يوقد في أعلاها النار، لكي ينظر إلى ما في عسكره، وصارت هذه القباب بعد ذلك للإعلام بحركات العدو، وأقام أيضا مرصدا فلكيا في الجبل.