وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في الكحل للصائم : فذهب إلى منعه الإمام سفيان وإسحاق واحمد رحمهم الله ولكنهم لم يذكروا دليلاً صحيحاً في هذا الباب , والعين ليست منفذاً للمعدة . ولذلك ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الكحل لا يفطر الصائم مطلقاً سواء اكتحل لحاجة أو لغير حاجة ، وسواء اكتحل في صيام النفل أم في صيام الفرض , وبهذا قال الإمام احمد في رواية عنه، وهو مذهب عامة التابعين وأكابر العلماء .
وقد روى أبو داود في سننه عن الأعمش رحمه الله ، وهو أحد أئمة التابعين أنه قال: (مارأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم) وهذا نقل عن أكابر أهل العلم من التابعين ومن بعدهم ممن أدرك الأعمش، بأنهم لا يكرهون الكحل للصائم . والسبب في هذا أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الكحل شيءٌ .
ثانياً : أن الأصل البراءة الأصلية, والصيام من شرائع أهل الإسلام الظاهرة ، فلو كان الكحل مفطراً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً يعلمه العام فضلاً عن الخاص.
ثالثاً : أن العين ليست منفذاً للمعدة كالأنف ، أما كون الإنسان إذا اكتحل يشعر بالطعم في الحلق ، فهذا لا يدل على أن العين منفذٌ للمعدة ، فلو أن امراءً وطأ بقدمه حنظلاً وتركه بقدمه لشعر بالطعم في حلقه, فهل يدل هذا على أن وطأ الحنظل يفطر ، كلا فوجود الطعم بالحلق ليس مفطراً إنما المفطر الأكل والشرب وما يقوم مقامهما, أما الكحل والطيب وما شابههما فلا تفطر الصائم ، لعدم الدليل الدال على ذلك و للبراءة الأصلية, وليس لنا أن نقول بأن هذا يفطر بدون دليل , وليس هذا خاصاً بالكحل بل بكل ما يمر بنا مما يذكره بعض الفقهاء مفطراً ، علينا أن نبحث عن الدليل وننظر في صحته أيضاً فربما كان الدليل ضعيفاً أو موضوعاً أو كانت الحجة غير مستقيمة ، والخلاصة أن الكحل لا يفطر مطلقاً والله أعلم .
الحديث الثامن عشر: