الأولى: أن الرسول عليه الصلاة والسلام امتنع عن قتل المعترض خشية أن يكون مصلياً، ولو كان كافراً لم تنفعه صلاته!
الثانية: أن من الأدلة أن هذا الرجل لم يكن كافراً عند النبي عليه الصلاة والسلام، هو جوابه لخالد -رضي الله عنه- حيث قال عليه السلام: (إني لم أؤمر أن أنقِّب عن قلوب الناس ... )، فدل ذلك على أن الرجل لم يزل مسلماً، وأن خالداً أراد قتله بأمر خفيّ غير ظاهر!
الثالثة: أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، جئنه يناشدنه العدل في عائشة -رضي الله عنها-، وهذا يدل على اعتراضهن على قسمة النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولم يكن هذا منهن كفراً، ولا خروجاً عن الإسلام!!
قلت: فالجواب عن الشبهة الأولى؛ هو أن يُقال هذا ليس معناه أن الرجل لم يكفر بذلك، فقد أسلفنا أن هذا من جنس أذى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أذى مبطَّن، إذ أنه اتهام له -عليه السلام- بالخيانة وعدم الأمانة، ولذلك كان يقول عليه الصلاة والسلام كما في بعض أحاديثه ومنه هذا الحديث حيث قال: (ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءاً) الحديث، فلزم من ذلك أن هذا فيه تعريضاً بأمانة النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه خائن -حاشاه من ذلك-، وهذا يتضمن -أيضاً- الطعن في الرسالة، وهو كفر ظاهر، كما أبنّا سابقاً، وقد ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما يؤيد كفر هذا وأمثاله، كما ورد في (الصحيحين) وغيرهما أنه علل عدم قتله لمثل هؤلاء بقوله: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، فهذه علة ظاهرة في عدم قتله لأمثال هؤلاء، فإذا زالت هذه العلة جاز قتله، ولذلك قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله- كما في (الصارم) (2/ 340 - 341) ما نصه:
(ومن هذا الباب: أن الرجل الذي قال له لما قسم غنائم حنين: إن هذه لقسمة ما أُريد بها وجه الله، فقال عمر: (دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: (معاذ الله أن يتحدث الناسُ أن محمداً يقتل أصحابه) رواه مسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع عمر من قتله إلا لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، ولم يمنعه لكونه في نفسه معصوماً كما قال في حديث حاطب بن أبي بلتعة ... فبيّن صلى الله عليه وسلم أنه باقٍ على إيمانه (يعني حاطباً)، وأنه صدر منه ما يُغفر له به الذنوب، فَعُلِمَ أن دمه معصوم، وهنا علّل بمفسدة زالت. فعلم أن قتل مثل هذا القائل إذا أمنت هذه الفتنة جائز، ولذلك لما أمنت هذه المفسدة أنزل الله قوله: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) ... ) ا. هـ
وقال في المصدر السابق (2/ 342) ما نصه: