كلامهم شيئاً يظنه أنه مذهبهم، ويكون في نفس الأمر باطلاً مردوداً وخطئاً على طريقتهم، فيصيرُ يُشهِرُ في الخلف أن هذا مذهب السلف، أو للسلف أقوال في هذا الباب، ويكون الشيء على العكس من ذلك كما عرّفتك، فيأتي مَنْ بَعْدَه مِمَّن يحكي خلاف الناس في أبواب الدِّيانة، فيطالع كلام بعض المتأخرين فيغترّ به، فيصير لديه أن السلف قد أختلفوا في هذا الباب، أو أنَّ لهم مذهباً واحداً فيه، بناءاً على ما طالعه من كلام بعض المتأخرين في ذلك، ويكون هذا على عكس ما أراده السلف.
وقد يقع بعض الخائضين بخلاف ذلك، فيظن أن السلف قد أجمعوا في هذا الباب على كذا وكذا، ويكون الأمر على خلاف ذلك -أيضاً-.
وهذا باب واسع، وهذا مثل ما وقع لبعض المتأخرين أن طريقة السلف في" الأسماء والصفات " هي التفويض، فصاروا يحكون هذا في كتبهم ومصنفاتهم، ثم نشأ فيهم من يذهب إلى قانون التأويل، حتى يصبح لهم رد مفحم على الفلاسفة والزنادقة لا يستطيعون رده أو الجواب عنه، لأنه جارٍ على أصل قانون العقل -على حد زعمهم-، وهو مما تقبله النفوس، وتستسيغه العقول أكثر من قانون التفويض، ولهذا فشت فيهم تلك المقولة الفاجرة: (مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم)!، ثم صار من يأتي بعدهم يحكي أن أهل السنة في هذا الباب على مذهبين:
الأول: مذهب التفويض، والثاني: مذهب التأويل، فمن قال أو ذهب إلى غير هذين المذهبين فقد ضل سواء السبيل.
ومنهم من يعكس هذا كما ذكرتُ سابقاً، فيحكي إجماعهم في المسألة، ويكون قد وقع فيها الخلاف بينهم، وهذا أمثلته كثيرة لا تكاد تحصى.
والمقصود هنا: أن المتأخر قد ينظر في كلام السلف في مسألة معينة، أو كلامهم على تفسير آية أو حديث، ثم ينزل كلامهم على واقعة تكون حدثت بعدهم، ولا يُعلم لهم كلام فيها أصلاً، و تكون أقوالهم مجمعة على خلاف ما فهمه هذا المتأخر، وهو مع ذلك يظن أنها تنصر قوله، فيكون ينقل خطأه هذا مذهباً لهم، وهو غالطٌ عليهم بذلك، مقوِّلٌ لهم ما لم يقولوه أو يروموه، ثم يظن من جاء بعده أن مذهبهم على هذا الذي فهمه المتأخر، ثم يتوارد هذا الخطأ بين المتأخرين، ويصيرون يحكون هذا عن السلف في مصنفاتهم، وهو خطأ على طريقتهم، وهذا واردٌ -أيضاً- على كلام الله -تعالى- وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فكيف لا يردُ مثله على كلام غيرهما من أقوال البشر، لا شك أن هذا من باب أولى وأحرى.