فالذي ينبغي أن ينصرف الناس إلى شغلهم وحوائجهم فمن صادفهم عزاهم في المسجد , في العمل , في الشارع , في السوق، وهكذا.
ثانياً:- إن ما يفعل اليوم في التعزية من نصب الخيام للجلوس فيها للقيل والقال وصرف للأموال الطائلة من أجل المباهاة والمفاخرة أمر مخالف للشرع , يقول ابن القيم عليه رحمة الله:
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه الاجتماع للعزاء ولا قراءة القرآن عند قبره، وكل هذه بدعة حادثة.
ثالثاً:- ألا يحدّ على ميتٍ فوق ثلاثة أيام كما يفعل كثير من النساء , إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً , فليعلم كما في الصحيح: عليكم بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم الكريم , ومنهاج قرآنه المحكم، رزقنا الله إتباع السنة , ورحم الله موتانا بكرمه ومنه.
ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة:-
برد التأسي بأهل المصائب فبذلك إطفاء لنار المصيبة ولنعلم أنه في كل قرية ومدينة بل في كل بيت , من أصيب مرة ومنهم من أصيب مراراً وليس ذلك بمنقطع حتى يأتي على جميع أهل البيت حتى نفس المصاب سيصاب يوماً بنفسه أسوة بأمثاله ممن تقدمه , فإن نظر فلن يرى يمنة إلا محنة ويسرة إلا حسرة.
ذكر ابن الجوزي بإسناده عن عبد الله بن زياد قال:
حدثني بعض من قرأ في الكتب أن ذا القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها وبلغ أرض بابل مرض مرضاً شديداً , فعلم أنه مرض الموت وأشفق على نفسه فكتب لأمه معزياً في ذكاء قائلاً:
يا أماه , إذا جاءك كتابي فاصنعي طعاماً واجمعي من قدرت من الناس ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة واعلمي هل وجدت لشيءٍ قراراً أني لأرجو أن الذي أذهب إليه خيراً مما أنا فيه.
فلما وصل كتابه صنعت طعاماً عظيماً وجمعت الناس وقالت: لا يأكل هذا من أصيب بمصيبة.
فلم يتقدم أحد من هذا الطعام، فعلمت مراد ابنها فقالت: بني , من مبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت وعزيتني فتعزيت فعليك السلام حياً وميتا.