الأكبر كان سياسيا: كيف يصل بشعبه الفلسطيني إلى حقوقه الكاملة . من هنا لم يبشر الرجل بدعوة عقائدية ما (بالرغم من إيمانه القومي العربي الكامل) بل إنه لم يُعن كثيراً بماهية الأمة بقدر ما عني بتحقيق إرادة الأمة وحمايتها من المخاطر والمؤامرات .
ونحن نمثل على ذلك بسلسلة كتب السيرة التي وضعها الشقيري من بين أكثر من خمسة عشر كتاباً الفها في حياته . إنها مجموعة من المذكرات والذكريات التي تسجل مسيرة الرجل السياسية الصرف (بعلاقاته ومراسلاته ويومياته وأعماله ووقائع المؤتمرات والمباحثات والاجتماعات والاتصالات ، وخلفياتها ونتائجها) لا تقدم لنا هذه الكتب الخمسة عشر التي نشرها في مدى عشر سنوات 1968-1978 معلومات غزيرة وأولية وموثوقة عن حقبة مهمة من تاريخنا النضالي الفلسطيني العربي فحسب ، بل هي تعكس صورة ذلك الرجل القائد على حقيقته وتكشف عن أغوار نفسه وتطلعاته ضمن حدود مصداقية السيرة الذاتية عموماً ، وهو بالتالي لا يبشر في كتاباته مثل سعادة بل يسجل ويؤرخ عملاً سياسياً وطنياً .
هناك أمور كثيرة تتشابه أو تتعارض بين أنطون سعادة وأحمد الشقيري ، إذ أن لكل منهما شخصيته ودوره وظروفه وأسلوبه المميز جداً عن الآخر ، إلا أنهما يبقيان ويُخلدان ، علمين بارزين في قيادة نضال لا يعترف بالحدود والقيود ، ويكون دوماً سباقاً إلى ما وراء الحدود وفوق القيود ، ولعل أهم ما في سيرتهما أنهما سقطا شهيدين ويبقيان شاهدين على القائد الأقوى من أعدائه وخصومه ، والأقوى من الموت .