اختار سعادة الحزب العقائدي ، لأن الأرضية التي نشط فوقها (لبنان وسورية في الدرجة الأولى) كانت لاتعرف إلا الأحزاب والتكتلات الطائفية أو التقليدية أو المحلية التي تخلو برامجها من الرُّؤى بعيدة النظر للمستقبل الوطني ، ولأنه رأى أن اكتشاف ماهية الأمة ، وتعريف شعبه عليها ، ودعم افكاره بما أوتي من علم وبحث ومنطق ، والتركيز الشديد على وحدة كل من الأمة والمجتمع ، هو السبيل الذي يكفل تحقيق الاستقلال واسترجاع السيادة وتوحيد الكيانات بل هو يرمي أيضا إلى ما هو أبعد من ذلك: وضع أسس الأمة الجديدة التي تحقق ذاتها ورسالتها وأصالتها عبر مفاهيم وقواعد ومسلمات محددة حرص سعادة علىالبحث عنها والكتابة فيها وشرحها وتفسيرها والدعوة لها طيلة حياته .
أما الشقيري فلم يكن الظرف الذي نشط فيه يسمح له بأن ينظر في هوية الأمة ويحدد طبيعة المجتمع ويسعى لبناء أجيال تلتزم مفاهيم عقائدية تتعارض مع الرأي الشائع (كأمة سورية في وجه فكرة الأمة العربية التي كان الإيمان بها كاسحاً وكمجتمع علماني في وجه تراص المجتمع العربي في فلسطين متحرراً من وباء الطائفية والمذهبية) بل كان عليه أن يكتفي بتحديد معالم الدرب الذي يؤدي إلى حماية الشعب الفلسطيني من الخطر الاستيطاني الصهيوني المدعوم بالرضى والحماية الاستعمارييْن .
وكانت الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني ، ضمن الإطار القومي العربي هي المسألة التي على الشقيري وأية قيادة فلسطينية أن تعمل علىالحفاظ عليها ، بعيداً عن دخول حلبة الصراعات العقائدية أو الحزبية والسياسية المحلية ، وبشكل أخص بعيدا عن التفكير بانشاء حزب سياسي