السياسي الجماهيري إلى مستوى المحاضرة الفكرية. لكنه لم يفعل ذلك عن قصد. وهو سلوك اتبعه قادة جماهيريون كثيرون في العالم ، وخاصة في عهد الثورات وأيام الانتفاضات الشعبية ، مع الإشارة هنا إلى أنه كان صادقاً في مضمون خطابه السياسي ، ولم يكن يبالغ ولا يكذب في المعلومات والحقائق وإن كان يبالغ في اللهجة الحماسية والنبرة الصوتية.
أما الشقيري (المتصلب) ، في علاقاته مع الآخرين ، أفراداً وجماعات وفصائل وحكومات ، فلا أحسب أنها انبثقت عن ضعف في الدبلوماسية ، وهو سيد الدبلوماسيين الفلسطينيين وإمامهم في الأربعينات والخمسينات والستينات، بل عن أمانة في حمل المسؤولية ورسوخ في تبني الأهداف وعناد في الدفاع عنها، وإذا جاز للمرء أن يعمم بعض انطباعاته وتجاربه الفردية فأنا أزعم أن الشقيري ، المتهم بالعناد والتصلب ، إنما كان مرنا وسهل التعامل ، وكان يتقن عملية الجدل ومحاولة الإقناع أو الاقتناع ، في علاقاته مع مركز الأبحاث التي امتدت خبرتي معه فيها عشرين شهراً، وأشهد ، هنا ، أنه لم يتصلّب مرة واحدة في رأي تمسك به ورفض أن يستمع إلى رأي يعارضه ، وكانت كل مناقشة بيننا ، وما أكثر ما جرى من مناقشات ، تنتهي بإقناع الواحد للآخر ، والتزام الآخر بالرأي الذي اقتنع به بعد جدل طويل.
ثم علينا ألا ننسى أن ما من زعيم سياسي فلسطيني خاض غمار التعامل الدبلوماسي ، عبر المؤتمرات واللجان والمجالس الأجنبية والدولية ، وأتقن فنه مثلما فعل الشقيري طيلة أربعين سنة ، أي منذ أعقاب انتفاضة (البراق) 1929 إلى اعتزاله النشاط الرسمي أواخر 1967 ، كان الشقيري