تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تواضع لهما، واخفض لهما جناح الذل رحمة وعطفاً وطاعة وحسن أدب، لقد أقبلا على الشيخوخة والكبر، وتقدما نحو العجز والهرم بعد أن صرفا طاقتهما وصحتهما وأموالهما في تربيتك وإصلاحك. تأمل حفظك الله قول ربك: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء:23]. إن كلمة (عندك) تدل على معنى التجائهما واحتمائهما وحاجتهما، فلقد أنهيا مهمتهما، وانقضى دورهما، وابتدأ دورك، وها هي مهمتك: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾ [الإسراء:23]. قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن لي أماً بلغ منها الكبر أنها لا تقضي حوائجها إلا وظهري لها مطية، فهل أديت حقها؟ قال: لا. لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه وأنت تتمنى فراقها، ولكنك محسن، والله يثيب الكثير على القليل(1).

أرأيتم الطائر الضخم الكبير ، النسر الذي تخافه الطيور ، كيف أنه إذا حلّق في جو السماء فَرد جناحيه فيخيّل للرائي أنها تسدُّ الأفق .. لكنه إذا أراد أن يهبط ليطعم فراخه أو يحميهم .. خفض تلك الجناحين العظيمين .. وحَنَى نفسه على تلك الفراخ الضعيفة برفقٍ بالغٍ حتى ليظنُّ من يراه أنه ضعيف ! تستطيع أن تستخرج من هذه الصورة عبراً كثيرة ..

1_ النسر قويٌ بطبعه .. لكنه يضعف أمام فراخه حتى يظن من لا عقل له أنه ضعيف دائماً لما يرى من حالته تلك .. وهكذا ينبغي أن يكون عليه الولد القوي في نفسه وشخصيته .. أمام الناس من غير تكبر ولا تجبر .. لكنه مع والديه ذليلاً خاضعاً خافض الجناح .. ليس عن خور ولا جبن .. لكنه خفضُ (جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ ) .

(1) - من خطبة للعلامة الشيخ د / صالح بن حميد . من المسجد الحرام بمكة المكرمة .

(كتاب تهميش الوالدين) · الصفحة ٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

(كتاب تهميش الوالدين)ص ٨٠