تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كأنها صفعتني على وجهي بيد من حديد ؛ وألقتني في صحراء النفود عرياناً ، طلقها .. وذهب يبحث عن ذكريات قديمة مفقودة .. اسمها ( أمه الحبيبة الغالية .. المظلومة).. طرق باب كل بيت في الحي القديم ؛ وسأل عنها كل جار .. لكن دون جدوى .. بحث عنها في ثلاجات المستشفيات .. في أقسام الشرط .. دون جدوى أيضاً .. أعياه التعب ! حتى ظن أنها قد ماتت .. هام على وجهه بحثاً عنها .. وأيضاً بلا جدوى !، وفي يومٍ .. وفي طريق عودته مر بمسجد الحي القديم ليصلي به صلاة المغرب .. علَّه يجد عنها خبراً لدى جيرانه الأقدمين .. فإذا به يرى منظراً يؤمن لرؤيته الملحدون ويتوب العاصون .. منظراً يقطع أنياط القلوب ويمزق الأحشاء ويستنزف الدموع من العين بالقوة ... ماذا تتوقعون ؟! • إنها أمُّه الحبيبة الغالية (تشحذ) الناس على رصيف المسجد .. وتمد يداً لطالما مدتها إليه في صغره بالريال والخمسة والعشرة ... تماماً كما تُمد إليها أيدي المصلين الآن بالريال والخمسة و.. و.. و .. ولطالما عطفت عليه في صغره وحزنت عليه في غربته في كبره .. واليوم تتسول لتعيش فقد ملت من عطايا وصدقات الجيران وأحست أنها عالةٌ عليهم وأنها أذلت نفسها كثيراً كثيراً .. فلجأت إلى استجداء عباد الله بجوار بيت الله !. ارتمى بين يديها يقبل أقدامها ويديها ويضع قدميها على خديه .. وبكاؤه يشق سماء نجدٍ . منظرٌ يقف الحليم أمامه حيران .. حملها بين يديه .. أمام المصلين وذهب بها يمشي على وجهه إلى منزله .. وهو يردد بصوت متهدج مخنوق بالدموع والحسرات ؛ وجؤاره يملأ الشوارع : - لعنة(1) الله على الزوجة الفاجرة .. وعلى الدكتوراه .. وعلى العمارة .. وعلى الراتب .. وعلى المال ... وعلى من فرق بيني وبين أمي ..

* * *

(1) - على أنه لا ينبغي اللعن إلا على من يستحقه ، لكن القصة جاءت هكذا .

(كتاب تهميش الوالدين) · الصفحة ٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

(كتاب تهميش الوالدين)ص ٥٧