وإذا قال القائل : إن علياً والحسين إنما تركا القتال في آخر الأمر للعجز عنه لأنه لم يكن لهما أنصار فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة .
قيل له : وهذا بعينه هو الحكمة التي راعها الشارع - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن الخروج على الأمراء ، وندب إلى ترك القتال في الفتنة ، وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالذين خرجوا بالحرّة وبدير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما .
لكن إذا لم يُزل المنكر إلا بما هو أنكر منه صار إزالته على هذا الوجه منكراً ، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكراً .
وبهذا الوجه صارت الخوارج يستحلون السيف على أهل القبلة حتى قاتلت علياً وغيره من المسلمين ، وكذلك من وافقهم في الخروج على الأئمة بالسيف في الجملة من المعتزلة والزيدية والفقهاء وغيرهم .
إلى أن قال :
ومما ينبغي أن يُعلم أن أسباب هذه الفتن تكون مشتركة ، فيَردُ على القلوب من الواردات ما يمنع القلوب من معرفة الحق وقصده ، ولهذا تكون بمنزلة الجاهلية ، والجاهلية ليس فيها معرفة الحق وقصده ، والإسلام جاء بالعلم النافع والعمل الصالح بمعرفة الحق وقصده فيتفق أن بعض الولاة يظلم باستئثار ، فلا تصبر النفوس على ظلمه ، ولا يمكنها دفع ظلمه إلا بما هو أعظم فساداً منه ، ولكن لأجل محبة الإنسان لأخذ حقه ودفع
الظلم عنه لا ينظر في الفساد العام الذي يتولد عن فعله . ولهذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم - :
" إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " (1) .
وكذلك ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في " الصحيحين " أنه قال :
" على المرء السمع والطاعة في يسره وعسره ، ومنشطه ومكرهه ، وأثرة عليه " (2) .
(1) - رواه البخاري ( 5 / 33 ) ، ومسلم ( 3 / 1474 ) .
(2) - رواه البخاري ( 13 / 109 ) ، ومسلم ( 1839 ) .