وهذا يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان محبوباً ممدوحاً يحبه الله ورسوله ، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان القتال واجباً أو مستحباً لم يُثن النبي - صلى الله عليه وسلم - على أحد بترك واجب أو مستحب ، ولهذا لم يُثن النبي - صلى الله عليه وسلم - على أحد بما جرى من القتال يوم الجمل وصفين ، فضلاً عما جرى في المدينة يوم الحَرّة وما جرى بمكة في حصار ابن الزبير ، وما جرى في فتنة ابن الأشعث وابن المهلب وغير ذلك من الفتن ، ولكن تواتر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بقتال الخوارج (1) المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين على – رضي الله عنه – بالنهروان بعد خروجهم عليه بحروراء (2) .
فهؤلاء استفاضت السنن عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بالأمر بقتالهم ولما قاتلهم علي – رضي الله عنه – فرح بقتالهم وروى الحديث فيهم ، واتفق الصحابة على قتال هؤلاء وكذلك أئمة أهل العلم بعدهم ، ولم يكن هذا القتال عندهم كقتال أهل الجمل وصفين وغيرهما مما لم يأت فيه نص ولا إجماع ، ولا حمده أفاضل الداخلين فيه ، بل ندموا عليه ورجعوا عنه .
إلى أن قال :
وكذلك الحسن كان دائماً يشير على أبيه وأخيه بترك القتال ، ولما صار الأمر إليه ترك القتال وأصلح الله به بين الطائفتين المقتتلتين ، وعليّ - رضي الله عنه - في آخر الأمر تبيّن له أن المصلحة في ترك القتال أعظم منها في فعله ، وكذلك الحسين - رضي الله عنه - لم يُقتل إلا مظلوماً شهيداً تاركاً لطلب الإمارة ، طالباً الرجوع إما إلى بلده ، أو إلى الثغر أو إلى المتولي على الناس يزيد .
(1) - انظر " نظم المتناثر من حديث المتواتر " ( رقم : 19 ) للكتاني .
(2) - موضع قرب الكوفة .