ومن الزهاد صنف يتزهد تدينا، يتقربون إلى الله بالإمتناع عن التمتع بملذات الحياة، ولهؤلاء نقول: أن الله تعالى شرع الشرائع لإسعاد الناس، وقد رضى عمن اتبعها لأنه عمل لإسعادهم، فمن هجر لذته هو في عمل صالح يرضي الله - وبعبارة أخرى يسعد الناس - كان عمله مقبولا، وكان من الصنف الثاني، ولكن من ظن أن الله يرضى عن الزهد لأنه زهد فقد أخطأ، لأنه تعالى لم يجعل تعذيب النفوس سبيلا لرضاه، وماذا ينال الله والناس ممن انقطع للعبادة وزهد في الحياة! مدح رجل عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بأنه يقوم الليل ويصوم النهار وينقطع للعبادة فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «فمن يقوم بشأنه»؟ قالوا: كلنا قال: «كلكم خير منه»، وحقا ليس يصح لأحد أن يستحل أن يأكل من عمل الناس ولا يعمل هو في الحياة للناس شيئا، إنما يرضى الله عمن هجر لذته ليسعد قومه، وليس من العقل تحمل الألم لأنه ألم. (7-3) الإفراط في الشهوات
ومن الناس من يرى - على عكس هؤلاء الزهاد - أن يطلق لنفسه العنان، ويمكنها من كل ملذات الحياة، يرون أن الإنسان في هذه الحياة إنما خلق ليتنعم، ولم يمنح العقل إلا ليبحث له عن وسائل النعيم، فهو لذلك يعب اللذائذ عبا، وينهمك فيها ما استطاع، وهذا ضار بالفرد وبالمجموع معا، فلو أبحنا لكل فرد أن يتلذذ كما يشاء ما انتظم شأن مجتمع، ولتعارضت شهوات الأفراد، وكانت الفوضى المطلقة، وإن جمعية أفرادها ليسوا أعفاء - أعنى أنه لا تحكمهم إلا شهواتهم الجسمية - لتحمل معها بذور الإنحلال والإنحطاط. (7-4) الاعتدال
وفضيلة العفة تتطلب من الإنسان القصد في اللذائذ، فإن هو أفرط فانهمك في شهواته، أو فرط فأماتها، وبالغ في الزهد، فقد حاد عن سواء السبيل، خير طريق في الحياة أن ينيل الإنسان نفسه ملذاتها الطيبة، ويعطيها مشتهياتها ما لم تخرج عن حدود الأخلاق، فذلك أدعى إلى نشاطها وأقرب إلى طبيعتها، إنما يجب ألا تتجاوز الحدود الشرعية، ففي داخلها من الملذات ما هو أضمن لسعادة الفرد والمجموع
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة
وكثيرا ما يكون من المصلحة أن يمنع الإنسان نفسه مما لا بأس به حذرا مما به بأس، كالذي حكى عن بعضهم أنه أشعل لفافة فأحس منها بلذة شديدة فكان ذلك حاملا له على ألا يدخن، وسبب ذلك - على ما يظهر - أنه تخوف من نمو الرغبة عنده في التدخين، وخشي شدة تسيطر العادة عليه فيما بعد، وكان إحساسه اللذة علامة هذا الخطر فتركه.
وأشير هنا إلى مبدأ الأستاذ «جيمس» القائل: بأنه يجب أن نحافظ على قوة المقاومة، ونتبرع بعمل صغير كل يوم، لا لسبب إلا مخالفة النفس والهوى، فإن ذلك يعيننا على مقاومة المصائب إذا حان حينها.
فليس يقتضي ضبط النفس القضاء على الرغبات والشهوات، وإنما يقتضي تهذيبها واعتدالها، وجعلها خاضعة لحكم العقل، ففي القضاء على الشهوات قضاء على الشخص وعلى النوع، وفي اعتدالها سعادتهما جميعا.
أهم أنواع ضبط النفس (1)
ضبط النفس عن الغضب:
فمذموم أن يكون الإنسان سريع الغضب يخرج عن عقله للكلمة الصغيرة والسبب الحقير، وليس الغضب بالخطأ دائما، فهناك حالات يمدح فيها، فلو رأيت شابا يعذب صغيرا لم يجن جناية، أو ضعيفا لا يستحق عذابا، أو حيوانا لا حول له ولا حيلة، فحق أن تغضب، كذلك طبيعي أن يغضب الإنسان إذا عومل معاملة لا تتفق وشرفه أو نحو ذلك، فلا بد له من الغضب ليدرأ عن نفسه أو غيره الظلم.
ولكن هذه الحالات قليلة إذا قيست بغيرها من حالات الغضب، فأكثر حالاته رذيلة مذمومة، ولذلك عد رذيلة، وعد ضبط النفس عنه فضيلة.
وأكثر ما يدفع الإنسان إلى الغضب أثرته وحبه الشديد لنفسه، وكثرة التفكير في حقوقه، فيتخيل فيما لا يغضب احتقارا له ونيلا منه، وكثيرا ما يستسلم لغضبه فلا يعي ما يقول، ولا يعقل ما يفعل، ويظن أنه بذلك يظهر بمظهر المحترم لنفسه، المحافظ على كرامتها، وهو إنما يظهر بمظهر الطائش الأحمق.