تذكر وقت جبنك سير الأبطال، وأكثر من مطالعة تاريخ حياتهم تستشعر الشجاعة، وتمتلىء حماسة، وتحس بقوة تدفعك إلى العمل على مثالهم، والسير في طريقهم. (7) العفة أو الإعتدال أو ضبط النفس (7-1) معناها
ضبط النفس - أو العفة بأوسع معانيها - هو اعتدال الميل إلى اللذائذ، وخضوعه لحكم العقل، وليس ذلك مقصورا على اللذائذ الجسمية بل يشمل أيضا اللذات النفسية، كالإنفعالات والعواطف، فلا يسمى الشخص «ضابطا لنفسه» إلا إذا اعتدل في لذاته الجسمية من مأكل ونحوه، واعتدل أيضا في انفعالاته فلم يغضب لأي داع، ولم يندفع في السير وراء عواطفه، كأن يحن حنينا شديدا إلى وطنه إذا نزح عنه، أو يفرط في حزن لفقد عزيز عليه، وكثير من الرذائل يرجع سببه إلى عدم القدرة على ضبط النفس كالشراهة والدعارة والطمع والإسراف والغضب والسخط والثرثرة والإدمان.
تتضمن هذه الفضيلة أن يكون الإنسان سيد نفسه لا عبدا لشهوات تسيره كما تشاء. (7-2) الزهد وآراء الناس فيه
والناس إزاء الملذات أصناف، فمنهم من ذهب إلى الزهد وقمع الشهوات، وقالوا: «إن شهوات النفس غير متناهية، فإذا أعطاها المراد من شهوات وقتها تعدتها إلى شهوات قد استحدثتها، فيصير الإنسان أسير شهوات لا تنقضي، وعبد هوى لا ينتهي، ومن كان بهذه الحال لم يرج له صلاح، ولم يوجد فيه فضل» هؤلاء يرون أن أرقى أنواع الحياة الأخلاقية محاربة الشهوات، فلا يتزوجون - مثلا - ولا يأكلون اللحوم، ولا يمكنون النفس من مأكل أنيق، أو مقعد وثير، أو ملبس جميل، وقد شنع «سنيكا»
4
على من يشرب الماء مثلجا في أيام الحر، وقال: «قد انتزع الترف من القلوب ما كان بها من موارد الشفقة وأسباب العطف حتى صارت أشد بردا وقسوة من الثلج والجليد» وبالغ بعض الزهاد فلم يكتف بقمع الشهوات بل تعداها إلى تعذيب النفس بالقيام في الشمس في أشد ساعات الحر، والتمرغ على الرخام في الشتاء، وهكذا، وهذا مذهب أكثر المعتنقين له من الناقمين على الحياة، المتشائمين من كل شيء في الوجود، المصابين بفقر الدم، الذين ضعفت شهواتهم لضعف جسمهم، وقد يرى هذا الرأي أيضا من قويت صحته وكمل جسمه، واشتدت شهواته، ولكن كانت إرادته أشد وسلطانه على نفسه أقوى، وأقوى ما يكون ذلك إذا أتى من ناحية العقيدة الدينية.
والزاهدون أنواع: فمنهم من يرفض أن ينعم في الحياة بالمأكل الشهي ونحوه لأنه يرى أن الإستمرار في طلب اللذائذ يسبب ألما، فتصبح النفس شرهة، أطماعها كثيرة، وآمالها واسعة، وكلما نالت منها الكثير طمعت فيما هو أكثر منه، ثم هي تتألم الآلام الشديدة لما حرمت، وتتجرع مع ما تنال غصصا من الآلام، أضف إلى ذلك أن كثرة التمتع باللذة يفقدها قيمتها، فمن يأكل كل يوم طعاما شهيا يصبح بعد مدة وهذا النوع من الأكل عنده عادي، حتى تكون مقدار لذته منه تعادل لذة من قنع بالقليل، يرى هؤلاء أن شعور الإنسان بأنه قادر على حرمان نفسه يرفعه فوق حوادث الزمان، ويجعله يرى أن لا قدرة للحوادث ولا للدهر على إخضاعه، وهذا الشعور يحرر الإنسان من ربقة الخوف - وهو شعور فيه من اللذة ما ليس في الملذات الجسمية - فهم في الحقيقة يفرون من لذة للذة أخرى أكبر منها، هي لذة الراحة والطمأنينة وعلو النفس.
هؤلاء نظرهم شخصي أكثر منه اجتماعيا، فهم يبغون لذة أنفسهم، غاية الأمر أنهم وجدوها في الراحة وعدم الإنغماس في الشهوات.
ومن الزاهدين نوع آخر أرقى من هؤلاء، زهدوا في اللذائذ لأن ذلك وسيلة إلى إسعاد الناس وراحتهم، كما فعل عمر بن الخطاب، لم يشأ أن يمتع نفسه بالملذات لأنه رأى أنه إن فعل ذلك توسع الولاة ومن بيدهم أمر الأمة في البذخ والنعيم حتى يرهقوا الرعية، فزهد ليسعد الناس، ومن هذا الصنف كثير من المصلحين والعلماء الباحثين، يهجرون راحتهم ليستكشفوا ما يوفر الراحة على الناس، وهؤلاء - أيضا - في الحقيقة لم يضحوا بلذتهم، بل هم من صنف راق، يجدون - في شعورهم بأنهم مصدر لإسعاد الناس - لذة قلما تعادلها لذة.