وقد تطلق الفضيلة على العمل نفسه فيقال: «فضائل الأعمال» وليس يعنى بها كل عمل أخلاقي بل الأعمال العظيمة التي يستحق فاعلها الثناء الجزيل، فلا نسمي دفع ثمن ما اشترى فضيلة، إنما يسمى الإتيان بالعمل الكبير مع تحمل المشاق في سبيله فضيلة، ويشهد لهذا المعنى اشتقاق الكلمة نفسها، فإنها مأخوذة من الفضل وهو الزيادة، وعلى هذا المعنى تكون «الفضيلة» أخص من «الواجب». (2) اختلاف الفضائل
تختلف قيمة الفضائل في الأمم اختلافا كبيرا، فلو أنا وضعنا لأمة قائمة تتضمن الفضائل مرتبة حسب أهميتها لها لوجدناها تخالف ما يجب أن يوضع لأمة أخرى، ذلك لأن ترتيب الفضائل في كل أمة يجب أن يتبع مركزها الإجتماعي وظروفها المحيطة بها، وما يفشو فيها من أمراض أخلاقية، وما اعتورها من أشكال حكومات ونحو ذلك، فترتيب الفضائل في الأمة المحكومة غيره في الأمة الحاكمة، وفي الأمة الآخذة بحظ وافر من المدنية غيره في الأمة البدوية، وفي الأمة البحرية غيره في الأمة ساكنة الصحراء وهكذا، فالأمة المهددة بالحروب ترى الشجاعة أهم فضيلة، والأمة الآمنة المطمئنة ترى العدل خير فضيلة، والأمة التي تحيا على الصناعة ترى الأمانة والإستقامة عماد الفضائل، وهكذا.
ويختلف أيضا مفهوم الفضيلة الواحدة باختلاف العصور، فما كان يفهم من الشجاعة عند اليونان غير ما يفهم منه في العصور الحديثة، قد كادوا لا يفهمون منها إلا الصبر على تحمل الآلام الجسمية، واليوم نفهم منها ما هو أعم من ذلك، حتى إنها تشمل تعبير الإنسان عن رأيه من غير خشية لمن حوله، والعدل تطور مفهومة تطورات عدة حسب تطور الأمم في حالتها العقلية والإجتماعية، والإحسان إلى الفرد بالتصدق عليه قد كان يعد من أهم الفضائل في القرون الوسطى حتى وضع موضع النقد في العصور الحديثة، واعترض عليه بأنه لا يميز فيه بين المستحق للإحسان وغير المستحق تمييزا يوثق به، وبأنه يشل المحسن إليهم، ويقعد بهم عن العمل ويميت ما في نفوسهم من شرف وإباء، واستحسن المحدثون إنشاء جمعيات للإحسان تحسن إليها الأفراد وهي التي تتولى الإنفاق على المعوزين بعد أن تدرس حالتهم وتعرف فقرهم، ولا تكتفي هذه الجمعيات بإعطاء المال إلى المحتاجين، بل توجد عملا لمن لا عمل له، وتنقذ أولاد البائسين من آبائهم حتى لا ينشئوا نشأتهم. ولا يصابوا بمرضهم، فتنشئ المدراس الصناعية، وتعلمهم علما عمليا يكتسبون منه أقواتهم، وقد اهتم كثير من الأمم الممدنة بإنشاء هذه الجمعيات، وحرمت إحسان الفرد للفرد، وحضت على إحسان الفرد للجمعيات.
وهكذا الشأن في كثير من الفضائل، قد هذبها رقي العقل وتقدم المدنية.
كذلك تختلف قيمة الفضائل باختلاف حالة الأفراد وأعمالهم، ففضيلة الكرم بالنسبة للفقير ليست من الأهمية بالدرجة التي لها بالنسبة للغني، ولا الفضائل التي في الدرجة الأولى للمسن هي بعينها الفضائل التي في الدرجة الأولى للشاب، ولا فضائل المرأة مرتبة ترتيب فضائل الرجل، ولا فضائل التاجر هي نفسها فضائل العالم وهكذا. ومن الصعب على الأخلاقي التعمق في التفصيلات، وبيان الإختلافات الدقيقة بين الأشخاص التي يترتب عليها اختلاف في قيمة الفضائل.
وكل الذي نستطيع أن نقوله إن الناس جميعا - مهما اختلفوا - مطالبون بفضائل عامة من صدق وعدل ونحوهما يجب أن يتصفوا بها، وأنهم على اختلاف طبقاتهم ودرجاتهم يستوون في شيء واحد، وهو أن كلا منهم مطالب أن يضع في الدرجة الأولى من الأخلاق ما يناسب حالته ويتفق مع مركزه الإجتماعي وعمله الذى يؤديه، وإن اختلف تطبيق ذلك. (3) أقسام الفضيلة
بعض الفضائل يمكن أن تدخل في فضائل أشمل منها، كالأمانة، فإنها تدخل في مفهوم العدل. وكالقناعة فإنها تدخل تحت العفة، وبعض الفضائل يكون مولدا من فضيلتين أو أكثر، كالصبر فإنه ينتج من العفة والشجاعة، وكالحذر، من العفة والحكمة، فما أصول الفضائل التي هي أساس لغيرها؟