تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس في وسع الأخلاقي ولا الفيلسوف أن يرسم مثلا أعلى دقيقا يوافق كل إنسان وكل أمة، فالمثل الذي يتفق مع غرائز إنسان ودرجة عقله من الرقي والبيئة التي تحيط به ربما لا يوافق الآخر، لاختلافه فيما ذكرنا، اللهم إلا إذا رسم الأخلاقي أو الفيلسوف صورة عامة اقتصر في رسمها على ما يوافق سواد الناس، كالخياط يعمل ثوبا واسعا يصح أن يلبسه كثيرون مع تعديل بسيط.

وكل الذي نستطيع أن نقوله: إنه ينبغي أن يكون المثل الأعلى للشخص صورة كاملة تمثل خير إنسان يستطيع الشخص أن يكونه في كل شأن من شؤون حياته، ففي عمله مثله أن يكون أحسن ما يستطيع: من جد وأمانة وإتقان ومهارة، وفي سياسته لنفسه مثله أن يكون ضابطا لنفسه، يعمل بإرشاد عقله، وفي معاملته للناس مثله أن يعاملهم كما يحب أن يعامل، وأن يحب الخير لهم كما يحبه لنفسه. (3) مم يتكون المثل الأعلى

أهم عامل في تكون المثل المنزل والمدرسة والدين، فتربية الناشئ المنزلية، وما يسمعه من أبويه، والنظام الذي يسير عليه بيته وما يراه في المدرسة، وما يسمعه من مدرسيه، وما يلزمونه بقراءته من الكتب، وما يحببونه إليه من عظماء الرجال، والدين الذي يتدين به، وما يحويه من نظام، وما يرسمه من شكل الحياة الأخرى، كل ذلك له أكبر الأثر في تكوين المثل الأعلى، وكذلك غرائز الإنسان الطبيعية لها أثر كبير في انتخاب الصورة التي تتخذ مثلا، فالميول الموروثة من شجاعة وهمة أو جبن وخمول تعين على تحديد المثل الأعلى، وهى عامل قوي في تكوينه. (4) نمو المثل الأعلى (رقيه وانحطاطه)

يكاد يكون لكل إنسان مثل أعلى ولكن لا يشعر به من أين أتاه، وسبب ذلك أن المثل يتكون مع الإنسان في نشأته وينمو بنموه، فلم يكن شيئا جديدا منفصلا عنه حتى يشعر به، ويعرف متى أتاه، ومن أين جاءه، يتكون المثل جرثومة في أثناء التربية المنزلية، ويكون لما يسمعه من القصص - ولو خرافية - دخل في تكوينة، ثم يتوارد عليه التغير كلما وجد مؤثر جديد، من رواية يقرؤها أو حكاية يسمعها أو تمجيد لعمل عظيم، أو ذم لعمل حقير، وإن في طبيعة الناشئين في أول حياتهم ميلا إلى سماع قصص الأبطال وكبار الأعمال وعجائب الحوادث، وذلك - ولا شك - مما يساعد على تنمية المثل عندهم، فإذا خرج الشاب إلى معترك الحياة كان لتجاربه في عمله، وتبادل الأخذ والعطاء مع الناس ما يحدد غايته في الحياة وينير أمله ويوضح مثله، وباتساع نظر الإنسان في الحياة وكبر عقله، يكمل المثل وتتم أجزاؤه.

وكما أن المثل عرضة للكمال والإتساع كما بينا كذلك هو عرضة للنقص والضيق، فالعمال الذين يقضون حياتهم في عمل يدوي محدود، ثم لا يصادفون بعد قضاء نهارهم ما يفيد عقلهم، أو يوسع نظرهم، يضيق مثلهم، ويتحدد أملهم، وذلك شأن طائفة كبيرة من العمال وكتبة الدواوين الذين لا يؤدون في الحياة غير عملهم الآلي، فلا يرقون مداركهم، ولا يوسعون أنظارهم، وحياتهم ليست إلا يوما واحدا متكررا.

وفي ضيق المثل خطر عظيم، فالمثل هو الذى يبعث في الإنسان روح العمل، ويزيد في نشاطه وقوته، وهو الذى يصحح حكمه على الأشياء، فالإنسان عادة عند الحكم على شىء أو نقده يقيسه بمثله، ثم يحكم بالخطأ أو الصواب، وبالخير أو الشر، فإذا تحدد المثل وضاق قل نشاطه وساء حكمه، وعلى العكس من ذلك إذا ترقى مثله.

الفصل العاشر

| الفضيلة

(1) معنى الفضيلة

الفضيلة هي الخلق الطيب، والخلق هو «عادة الإرادة» فإذا اعتادت الإرادة شيئا طيبا سميت هذه الصفة فضيلة، والإنسان الفاضل هو ذو الخلق الطيب الذي اعتاد أن يختار أن يعمل وفق ما تأمر به الأخلاق، وبذلك يكون الفرق بين الفضيلة والواجب واضحا، فالفضيلة صفة نفسية، والواجب عمل خارجي، وعلى هذا يقال: فلان أدى الواجب ولا يقال: أدى الفضيلة بل حاز الفضيلة.

كتاب الأخلاق · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب الأخلاقص ٣٤