يضارع الكون، كأن الكون إذا وضع فى كفة، والقرآن وضع فى كفة، فكلاهما يوازى الآخر. ذكرت يوما أنه عندما أراد ربنا أن يتكلم عن بركته وامتداد نعمه، ذكر ص _213
مرة القرآن ومرة الكون: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير) (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) وعندما أراد أن يذكر أنه أهل الثناء الحسن والحمد والشكران، قال: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) وقال: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا) هذا التوازن بين الكون والوحى، يبقى لآخر الزمن، كلاهما يدل على الآخر. بين فلسفة العلوم وآلات فهمها هذا قد يعطى أيضا أنه لا يجوز أن يكون هناك انكفاء عن الكون بالنسبة للمسلم، فملكوت الأرض ليس بعيدا عن ملكوت الله.. بل هو جزء من ملكوت الله الواسع، وليس للإنسان المسلم المؤمن بالقرآن أن يدير ظهره للكون وما فيه من الأسرار، بل الكشف عنها ضرورة شرعية لعمارة الأرض وللشهادة على الناس، والقيادة لهم.. والآيات الكونية جزء من أدلة الهداية، والنظر فيها دين، وطريق إلى الإيمان الحق.. فالذى خلق الكون، هو الذى خلق الإنسان، وأنزل القرآن.. وما ذكرتم هو فى مصلحة ما نقول: من أن القرآن وضع الإنسان فى مناخ الكون.. حسسه بالزمان والمكان.. ولفت نظره للسنن الجارية فى الحياة والكون المادى.. أرى أنه يكفى القرآن إعجازا علميا، أنه وضع الإنسان فى المناخ العلمى، وفتح نوافذه كلها للنظر فى المعارف.. وأنا لا أستطيع، مع هذا، أن أقول: إن الكتاب كتاب فنى وضع قوانين علمية " لأنه ليس هناك قوانين علمية إسلامية، وأخرى. نصرانية.. قوانين الكشف العلمى واحدة.. فلا يجوز التجاوز فى التعبير، وليس لأحد أن يورط الوحى الإلهى فى هذا. يبدو لى، فى هذه النقطة، أنه لابد من التفريق بين أمرين: هناك: تقنية العلم، وآلات فهمه، وهذا قدر إنسانى، وكسب بشرى مشترك..