وإن من نعم الله على عباده إنزال الماء من السماء بحسب الحاجة، لا كثيراً فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار فيحصل الجدب والمحل. ولا في غير أوانه فيذهب بدداً بلا فائدة. بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب و الانتفاع به (1).
ثم تأمل الحكمة البالغة في نزول المطر على الأرض من علو، ليعم بسقيه وهادها وتلولها، وظرابها وآكامها، ومنخفضها ومرتفعها، ولو كان ربها يسقيها من ناحية من نواحيها لما أتى على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السفلى وكثر. وفي ذلك فساد، فاقتضت حكمته أن سقاها من فوقها (2).
ومن نعم الله تعالى أن أسكن الماء في الأرض. وسلكه ينابيع فيها، ليستفيد منه الناس شيئاً فشيئاً، وقد أثبتت النظريات الحديثة أن المياه الجوفية ناشئة من المياه السطحية الآتية من المطر، وأنها تتسرب إلى باطن الأرض فتُحفظ هناك. والقرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة قبل معرفة هذه النظريات (3). قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:18] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر:21].
قال ابن كثير – رحمه الله-: (أصل الماء في الأرض من السماء، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾ [الفرقان:48] فإذا نزل الماء من السماء كَمنَ في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء وينبعه عيوناً ما بين صغار وكبار، بحسب الحاجة إليها. ولهذا قال تعالى: فسلكه .... [الزمر:21] (4).
وقال سيد قطب – رحمه الله – عند قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ [البقرة:22]: (ذكرُ إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به، ما يفتأ يتردد في مواضع شتى من القرآن، في معرض التذكير بقدرة الله، والتذكير بنعمته كذلك. والماء النازل من السماء هو مادة الحياة الرئيسية للأحياء في الأرض جميعاً، فمنه تنشأ الحياة بكل
(1) انظر تفسير ابن كثير (5/ 464).
(2) انظر مفتاح دار السعادة (1/ 223، 224).
(3) في ظلال القرآن (6/ 20).
(4) تفسير ابن كثير (7/ 83).