(10) نعمة الأمن:
إن من أعظم نعم الله على عباده أن يصبح الإنسان آمناً على دينه ثم على نفسه وماله، مطمئناً على عرضه وبيته، وعلى كل ما يحيط به، يسافر الرجل وحده من أقصى البلاد إلى أقصاها آمناً غير خائف مستقراً غير قلق، معه الأموال لا يخاف على نفسه ولا عليها.
وقد امتن الله على أهل مكة في مواضع كثيرة في كتابه بنعمة الأمن ليُعرف قدرها فتشكر، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:67] وقال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: -4].
والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن من اجتمع له الأمن في الوطن، والصحة في البدن مع قُوتِ يومه، فقد جمعت له الدنيا بأسرها ولم يفته شيء. فقال صلوات الله وسلامه عليه: (من أصبح منكم آمناً في سِربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا) (1).
إن الإنسان بحاجة إلى الأمن. الأمن في داره. والأمن في أسفاره وترحاله وفي كل حال من أحواله، وهذا مشاهد. وانظر حال الناس إذا حصل في المجتمع حدث يسير، كيف ينتشر الخوف ويحصل الرعب؟!
وهذا يدلك على أمرين:
الأول: عظم هذه النعمة – نعمة الأمن – لكن الناس غافلون عنها، لا يدركونها إلا بضدها، وسرعان ما ينسون إذا زال هذا الضد.
الثاني: ضعف الناس، وأنهم لا حول لهم ولا قوة إلا بالله تعالى، القادر وحده على دفع المضار وجلب المنافع.
فالواجب علينا – معشر الأحبة – أن نعرف قيمة هذه النعمة ونشكر الله تعالى عليها، ونسأله دوامها. وعلينا أن نحرص على الأسباب التي هي كفيلة – بتوفيق الله – باستقرار الأمن. وأساسها تحقيق الإيمان والعمل الصالح بتوحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له وشكره على نعمه شكراً جامعاً بالقلب واللسان والجوارح، فإن كفر النعمة من أسباب حلول الخوف محل الأمن
(1) رواه الترذي رقم (2347) وحسنه الألباني (الصحيحة / 5 405) وقوله: (في سربه) بكسر السين المهملة، أي في نفسه. انظر النهاية في غريب الحديث (2/ 356).