إلا أنه لم يكن هناك أحد من المسلمين يريد إزالة الخلافة، أو يقبل بإزالتها، حتى الخونة من المسلمين العرب الذين كانوا يسيرون مع الإنجليز كانوا يطالبون بأن تكون الخلافة مع العرب، أما الترك فكانوا جميعاً متمسكين بالخلافة تمسكاً شديداً، وكان حبهم لها وتمسكهم بها عميق الجذور في نفوسهم، حتى حزب تركيا الفتاة كان متمسكاً بالخلافة، ومتمسكاً ببقاء جميع أجزاء الدولة الإسلامية كما هي، ولم يسمع قط أحد يرضى أو يقبل إزالة الخلافة، فضلاً عن أن يعمل لإزالتها، فكانت إزالتها أمراً عسيراً حتى لو احتلت بلاد الإسلام كلها. ولهذا كان الحلفاء يكتمون أغراضهم هذه، وكانت سرية لا يُعلم بها، وكانوا يعملون لضرب الدولة العثمانية من الداخل، عن طريق بذل محاولات لإخراجها من الحرب وعقد صلح منفرد معها. وقد ركزوا على هذه الفكرة وصاروا يعملون لها.
محاولة الحلفاء استمالة جمال باشا
إلا أن الدولة العثمانية لم يكن أحد قادراً على أن يؤثر عليها للانسحاب من الحرب، أو عقد صلح منفرد، إلا ضباط الجيش الذين لهم تأثير. أما غيرهم فلم يكن في وسعه أن يفعل أي شيء. وأما ما قام به الخونة من العرب الذين ساروا مع الإنجليز والفرنسيين فلم يكونوا في مستوى السياسيين، ولا كان يَنتظر منهم أسيادهم الإنجليز والفرنسيون أن يؤثروا في الدولة، وكل عملهم هو أن يكونوا جواسيس على دولتهم، وأن يقوموا بأعمال تخريبية ضد دولتهم، حتى الخائن الأكبر (الشريف) حسين بن علي كان أضعف من أن يكون له تأثير في الدولة، وكل ما كان يريده الإنجليز هو أن يسخروه بأعمال تخريبية ضد الجيش الإسلامي الجيش العثماني، ولإيجاد رأي عام معهم، حتى لا يحمل المسلمون لهم العداء، ويعلنوا عليهم الجهاد الذي أوجبه الشرع لأنهم كفار. ولهذا لم يكن العرب محل عناية من الحلفاء أثناء الحرب في انسحاب الدولة العثمانية من الحرب، وإنما وجهوا عنايتهم للضباط الأتراك.