ففي هاتين الحالتين: حالة حمل الدعوة بالصراع الفكري، وحالة حملها بالجهاد بالسيف، حدد الرسول قضيته بأنها إظهار الإسلام، وجعلها قضية مصيرية. واتخذ تجاهها الإجراء الذي تتطلبه وتحتمه في الحالتين، وهو إجراء الحياة أو الموت. ولذلك قال في الحالة الأولى: «حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته»، وقال في الحالة الثانية «حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة». ولو لم يجعل الرسول تلك القضية قضية مصيرية، ويتخذ تجاهها إجراء الحياة أو الموت، ما ظهر الإسلام، لا بتبليغ الدعوة عن طريق الصراع الفكري، ولا بتبليغها عن طريق الجهاد بالسيف. وكذلك ما عليه المسلمون اليوم في واقعهم، وهو تحكم أنظمة الكفر فيهم وسيطرة الكفار والمنافقين عليهم، فإنهم إذا لم يجعلوا قضيتهم قضية مصيرية، ويتخذوا تجاهها إجراء الحياة أو الموت، لا يمكن أن يحصل لسعيهم أي إنتاج، ولا يمكن أن يتقدموا خطوة واحدة إلى الأمام.
لهذا فإنا ندعو كل مسلم في وسط هذا الكفر المتحكم في بلاد الإسلام، لأن يعمل لإقامة الخلافة طريقة لتحويل بلاده إلى دار إسلام، وتوحيدها مع غيرها من بلاد المسلمين، وأن يحمل الدعوة إلى العالم ابتغاء إظهار الإسلام، وأن يردد بإيمان صادق، واستنارة ووعي، قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». وقوله عليه السلام: «فوا لله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة».
رجب سنة 1382 هجرية
كانون الأول (ديسمبر) سنة 1962 ميلادية