وبهذه العمليات كلها تبلور الموقف عن أن الذي يسيطر على البلاد فريقان: الإنجليز وإلى جانبهم الخليفة والحكومة، وحزب مصطفى كمال وغلى جانبه الأهالي جميعهم. فصار مصطفى كمال مقابلاً للإنجليز، ويتخذه الناس قائداً لهم ضد الإنجليز. ولهذا كان الرأي العام بجانبه، وكان أكثر ضباط الجيش بجانبه، وكان الموظفون أيضاً بجانبه. فاغتنم الفرصة في هذا الجو فأصدر باسم اللجنة النيابية، التي كانت لا تزال باقية ولم تحل، إعلاناً عن الانتخابات الجديدة، وأن البرلمان الجديد لن تكون له أية صلة بالمجلس القديم، وأنه ليس برلماناً عثمانياً وإنما سيكون هيئة تشريعية قومية، ذات سلطات خارقة. وانتخبت أنقرة لتكون مركزاً لعقد جلسات هذه الهيئة القومية.
وقد جرت الانتخابات بالفعل ولكنها لم تكن انتخابات بالمعنى الدقيق وإنما جرت مجرد حركات شكلية ليقال عنها انتخابات. وكان الرأي العام أن الحالة تحتم انتخاب الكماليين وحدهم دون سواهم ليكونوا نواباً عن الأمة، فكان كذلك. ولم ينجح أي نائب غير كمالي.
وفي الثالث والعشرين من نيسان 1920 انعقد المؤتمر القومي في أنقرة، وتعمدوا أن تكون الجلسة الافتتاحية يوم الجمعة. فبعد الصلاة في مسجد الحاج بيرم خرجوا يحملون الأعلام إلى مكان الاجتماع، فذبحوا على عتبة الباب كبشين، ثم دخلوا المكان وعقدوا جلسة الافتتاح، وفي نفس الوقت جرت مثل هذه الحفلة في كل المساجد في الأناضول، حتى المساجد التي في أصغر القرى.
وكان مصطفى كمال أثناء الانشغال في انتخابات المؤتمر القومي وافتتاحه قد أخذ ينقل إلى أنقرة الموظفين، وضباط الجيش، فقد أخذ سكان أنقرة يشاهدون سيلاً من المهاجرين يقبلون إلى مدينتهم، منهم الضباط، والأساتذة، وكبار الموظفين. ولم يعلموا في أول الأمر سبب قدومهم ولكنهم علموا فيما بعد أنهم جهاز الحكومة.
إقامة مصطفى كمال جهاز دولة في أنقرة