وأما مصطفى كمال فقد استأجر داراً في شيلي إحدى ضواحي بيرا، وصار يعيش في تلك الدار كفرد عادي، واعتزل السياسة ولزم جانب الصمت. وكان يشاهَد في بعض الأندية يختلط بالأوساط الراقية، ولكنه كان شديد التحفظ. ولم يكن حديثه يدل على شيء، ولم يكن أحد يعرف هل هو مع السلطان أو ضده.
إلا أن السلطان كان يدرك مرامي مصطفى كمال، لأنه يعرف أفكاره وأغراضه. ولذلك كان يقاومه مقاومة شديدة، ويهاجمه ويقول لمن حوله عنه: إنه يريد تنفير الأتراك من أسرته، وإيجاد العداء بينه وبين الشعب لخلعه، ولكن اعتزال مصطفى كمال للأعمال السياسية لم يجعل له أي سبيل عليه. ولذلك كان الكثيرون يلومون السلطان على عداء مصطفى كمال.
وبعد تأليف الداماد فريد الوزارة، وإظهار الإنجليز الرضا عنها والقبول بها، وازدياد مخاوف السلطان على عرشه، صار يعتقد بأنه لا يستطيع الاحتفاظ بعرشه إلا بمعونة إنكلترا، ويرى أن الداماد فريد باشا أكبر أنصاره ومؤيديه. وقد عمل السلطان والداماد كل الوسائل لإرضاء الإنجليز. وتألفت جمعية سموها «أصدقاء الإنجليز» وكانت الحكومة تؤيد هذه الجمعية بكل أنواع التأييد. والإنجليز من جانبهم يغدقون عليها الذهب المغري، ولكن عامة الناس، وأكثر شباب البلاد وضباط الجيش، كانوا يبغضون الإنجليز، وينقمون على المحتلين.
وهكذا ارتمى السلطان ورئيس وزرائه ارتماء تاماً في أحضان الإنجليز، واعتمدوا عليهم اعتماداً كلياً. وكان الإنجليز قد عينوا مندوباً سامياً في استانبول ليتولى الأمور السياسية في البلاد، إلى جانب الجنرال هارنجتون الإنجليزي القائد العام لجيوش الحلفاء. فصاروا يملون أراءهم على السلطان ويتحكمون به كما يشاؤون. ففقد سلطانه السياسي الفعلي، وصار كالسجين، وأضحى السلطان الفعلي للحلفاء، أو على الأصح للإنجليز وحدهم ممثلين بالمندوب السامي البريطاني وبالجنرال هارنجتون.
عمل الإنجليز على إيجاد الفراغ السياسي