وتفصيل ذلك أنه كان لا بد لتوفيق باشا بعد أن ألف الوزارة من الحصول على الثقة البرلمانية طبقاً للإجراءات الدستورية، وكانت جلسة الثقة على وشك الانعقاد، فسارع مصطفى كمال وكان قد عاد إلى استانبول من حلب وأضنة إلى العمل لإقناع النواب بحجب الثقة عن الوزارة، فقد كان له بعض الأصدقاء من الاتحاديين الذين يؤلفون أغلبية المجلس ومن بينهم فتحي بك الذي كان ذا نفوذ وسلطان، ولذلك سارع إلى حضور جلسة الثقة. فجمع له فتحي بك عدداً من النواب وأخذ يتشاور معهم في غرفة مجاورة. وعرض مصطفى كمال اقتراحه عليهم وهو التصويت بعدم الثقة بالوزارة، ولكنهم اعترضوا بأن التصويت بعدم الثقة يؤدي حتماً إلى حل المجلس، وهنا لم يستطع إخفاء غايته التي يسعى إليها، فرد فوراً: وهذا خير وأبقى، فإنا نكسب الوقت عن هذا الطريق، ونعد أمورنا لتكوين الوزارة التي نريدها.
دق جرس الجلسة ودخل النواب قاعة البرلمان، ثم جاء وقت التصويت، وأعلن الرئيس النتيجة، فكانت الأغلبية الساحقة في جانب الثقة بوزارة توفيق.
فلما علم مصطفى كمال بذلك ترك أبنية البرلمان ولم يكد يصل إلى داره حتى اتصل تلفونياً بالقصر، والتمس مقابلة السلطان في أقرب وقت ممكن. وكان السلطان وحيد الدين يعرف أفكار مصطفى كمال، ويعرف طمعه في استلام الحكم، ولكنه كان يلمس منه قوة ويظن أن له أنصاراً أقوياء في الجيش، وأنه يؤثر على الجيش. وكان هم وحيد الدين الاحتفاظ بعرشه، ويرى في مصطفى كمال خطراً عليه. ولهذا حين جاء طلبه وافق وحيد الدين فوراً. إلا أنه حدد وقت الاجتماع في أقرب يوم جمعة. وأراد وحيد الدين اختيار هذا اليوم لأنه يوم الاجتماع بالسلاملك، يعني يوم استقبال الخليفة الناس للسلام عليه، فكان قصده أن يعلن مصطفى كمال صلاته بالسلطان، وأن يؤكد أمام الحاضرين الولاء للخليفة، وأن يؤدي صلاة الجمعة معه. ثم بعد ذلك يتخذ الخليفة التدابير لسماع حديثه - الذي يعرفه - على انفراد.