وهبط مستوى التاريخ الإسلامى إلى الحضيض يوم دخل " التتار " بغداد وقتلوا الخليفة وأذلوا الأمة الإسلامية أشد الذل. ولكن هذا التاريخ الذى هبط سرعان ما علا، فما مضى قرن حتى كان المسلمون يدقون أسوار " فينا "- عاصمة النمسا- ثم قبل ذلك وصلوا مخترقين " الأندلس " إلى " جنوب فرنسا " إلى أواسط " سويسرة ".. هذا التاريخ الذى يتأرجح بين " مد وجزر " حقيقة لابد من الاعتراف بها. ونحن المسلمين نواجه- بإيماننا- هذا الواقع، فقد يقع أن نعيش أو نولد فى عصر الإسلام فيه غريب، وأمته منهزمة، وأحواله مضطربة، وأعداؤه يتربصون به.. على الغرباء- من هذا القبيل- أن يتماسكوا، وأن يعلموا أن الله تعالى اختبرهم بهذه الغربة حتى يؤدوا ما عليهم فى إعزاز دينه، ورفع كلمته، وتعمير مساجده، وإحياء حدوده، وحفظ شرائعه، وما إلى ذلك كله مما لابد منه لحماية الإسلام. وهو معنى الغربة الذى ورد فى بعض الأحاديث: " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء " وفى رواية أخرى: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قالوا يا رسول الله ومن الغرباء قال الذين يصلحون عند فساد الناس " . والحديث يفيد أن هناك غربة متكررة تعترى الإسلام فى مده وجزره، فهو يبدأ حركته غريبا- وبدأها غريبا فعلا- ثم آنس الله وحشته، وكثر أنصاره، وامتدت مساحته، وعمرت عواصمه، وانتشرت حضارته، ثم جاءت غربة فكسا الظلام مساحات كثيرة من أرضه، ثم آنس الله وحشته ص _093
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ٥٦٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ٥٦٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي