(فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) . وكرر القرآن فى كثير من السور ما نجده فى سورة الواقعة هنا، من تصوير لمشاهد الحشر والنشر والمثوبة والعقوبة، والسبب أنه يريد إحداث توازن فى الكيان المعنوى للإنسان، فإن الإنسان يحصر بين مشاهد الدنيا وبين واقع الأرض وبين ما يسمع ويبصر فتغلب عليه تلك المحسوسات وكأنها هى الواقع الذى لا شىء بعده، فكيف يستيقظ الإنسان من هذا الحاضر الذى استغرق فيه؟ وكيف يشعر بأن مع اليوم غدا، ومع الحاضر مستقبلا، ومع لذة الطعام والشراب والشهوة الآن لذات أخرى أرقى وأزكى ينبغى أن يحسها، وأن يستعد لها، وأن يعمل على منالها، وعقوبات أو آلام أنكى وأشق ينبغى أن يتحرز منها ويبتعد عها ويتحرج عن الوقوع فها؟ !!. إن إكثار القرآن الكريم من الكلام فى الدار الآخرة إنما هو لعمل توازن فى وعى الإنسان بين دنيانا التى تحيط بنا وتلفنا فى آلامها وآمالها، وبين ما لا بد منه فى الدار الآخرة.. لأنه حق ولكن الناس غافلة عنه !! ومن هنا جاء الكلام عن الدار الآخرة فى هذه السورة على أنها ستقلب الأوضاع. (إذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة * خافضة رافعة) ستقلب الأوضاع، معنى (خافضة رافعة) أن ناسا فى دنيانا هذه يعتبرون فى مرتبة صغيرة أو فى درجة وضيعة سوف تعلو أماكنهم، وترتفع مناصبهم، وأن ناسا فى دنيانا هذه يشار إليهم بالبنان، ويرمقون فى مناصبهم أو فى أماكنهم على أنهم سادة وقادة سيكونون صعاليك فى الدار الآخرة: (خافضة رافعة) وقد نظر النبى عليه الصلاة والسلام يوما إلى آفاق الدنيا فى ليلة من الليالى كما روى البخارى فى صحيحه: " استيقظ النبى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: سبحان الله.. ماذا أنزل الليلة ص _164
خطب الشيخ محمد الغزالي · الصفحة ١٤٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
خطب الشيخ محمد الغزاليص ١٤٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي