... والواقع التاريخي أنه لم يكن هناك مكابيون أبطال ولا ثورة مكابية ولنحتكم إلى التاريخ.. يقول التاريخ أن المكابيين قد ظهروا على مسرح التاريخ في العهد الذي كانت فيه فلسطين تحت الحكم اليوناني حوالي القرن الثالث قبل الميلاد.. ففي عهد البطالسة أثناء حكم بطليموس الرابع، بعد انتصاره في موقعة رفح عام 217 ق.م.، حدث انقسام في التجمع اليهودي وانقسموا إلى فريقين: الأول يريد أن ينتفع بالمدينة اليونانية ويقتبسها، وفريق آخر كان يعارض في هذا الاتجاه الحضاري ويريد الإصرار على التقاليد القديمة والانعزال عن المجتمع. ولم يكن هذا الإنقسام غريبا في بابه فإن التاريخ اليهودي كله كان تاريخ صراع بين الاندماج والعزلة، ولم تكن الصهيونية إلا حركة عدائية للاندماج واتجاها عنيفا نحو العزلة فأخذ الفريق الانعزالي المتعصب يتصدى للفريق المتحضر مما اضطر ملك البطالسة السالف الذكر أن ينصِّب على فلسطين ولاة من أولي الحزم والشدة..
... وكان من نتيجة ذلك أن ثار الفريق المتعصب بقيادة العائلة المكابية عام 167 ق.م. وكان قائد الثورة هو "متيتا بن يوحنا"، وبعد وفاته تولى أمر القيادة ابنه يهوذا مكابيوس، وسميت الحركة باسمه.
... وكانت هذه الثورة في حقيقتها ثورة داخلية بين اليهود أنفسهم، أخذت شكل العنف والاقتتال والصراع على السلطة.. أكثر مما كانت ثورة على الحكم اليوناني كما يصور دعاة الصهيونية.. وكانت (بطولات) هذه الثورة تعتمد على الفتك والبطش والغدر والتفنن في الإجرام والإرهاب..
... ولو أن القارئ العربي عاد إلى قراءة تاريخ تلك الحقبة وخاصة تاريخ "المكابيين والثورة المكابية" وتدبَّر أسبابها وأهدافها، لرآها حقبة حافلة بالإجرام ولا تستحق أن توصف بحرف واحد من حروف الثورة والبطولة.