صلى الله عليه وسلم
يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس.» فقال عمرو: أبصر ما تقول! قال: أقول ما سمعته من رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخلالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك.
هذا، وقد كانت الأمة الإسلامية وقت احترامها للأصول الشرعية، المشار إلى بعضها سابقا، بالمكانة التامة من الثروة والشوكة المحروستين بسياج حسن تدبير أمرائها وعدلهم واستجلابهم رضا الله تعالى بتعمير أرضه، نقل صاحب «كشف الظنون» أن بعض العلماء قال: «لو علم عباد الله رضا الله في إحياء أرضه لم يبق على وجه الأرض موضع خراب.» ومن حكم أرسطو: العالم بستان سياجه الدولة، والدولة سلطان تحيا به السنة، والسنة سياسة يسوسها الملك، والملك نظام يعضده الجند، والجند أعوان يكلفهم المال، والمال رزق تجمعه الرعية، والرعية عبيد يكنفهم العدل، والعدل مألوف وبه قوام العالم. فقد تضمنت هذه الكلمات الحكيمة الإشارة بجعل العالم بستانا إلى تشبيه الرعية بشجر ثمرته المال وحارسه الجند، وأن استقامة الدولة بها حياة السنة السياسية التي هي مادة حياة بستان العالم. ومن آثار ثروة الأمة الناتجة عن احترام أصول العدل ما حكاه المقريزي في «الخطط»، قال: لما سار المأمون في قرى مصر، وكان يقيم بالقرية يوما وليلة، اجتاز بقرية يقال لها طاء النمل، ولم يقم بها فتوسلت إليه عجوز كبيرة بالقرية في الإقامة، فأسعفها. وأحضرت من لوازم نفقة الخليفة وجنوده ما عظم لديه أمره، وأهدت له حين عزم على الرحيل عشرة أكياس من سكة الذهب كلها ضرب عام واحد، فازداد تعجبه وقال: ربما يعجز بيت مالنا عن مثل هذا، ورد عليها مالها رفقا بها، فلم تقبل وقالت: هذا - مشيرة إلى الذهب - من هذه - أي طينة الأرض - ثم من عدلك يا أمير المؤمنين، وعندي من هذا شيء كثير. فقبله وأعظم جائزتها. انتهى بتصرف واختصار.
وحكي أيضا أن خراج مصر بلغ في زمن الخلفاء الراشدين أربعة عشر مليون دينار، وقدرها بسكة الوقت نحو سبعمائة مليون فرنك، وهذا المبلغ دخل إيالة واحدة مع الإنصاف في الجباية. وحكى ابن خلدون في «المقدمة» أن المحمول إلى بيت المال في أيام الرشيد العباسي بلغ إلى سبعة آلاف وخمسمائة قنطار ذهبا، وقدر ذلك تقريبا ألف وأربعمائة مليون فرنك، وهذا دون ما يؤخذ من العين، ويدل على القوة العسكرية الناتجة من عدل الشريعة واتحاد الأمة ما تيسر لهم من الفتوحات التي يشهد بها المؤرخون من الفريقين، ويصدقها العيان. ففي «قرة العيون» الذي ترجمه الشيخ أحمد الزرافي المصري من اللغة الفرنساوية، وعد من حسنات المطبعة المصرية، أن الإسلام فتح في ظرف ثمانين سنة من الأقاليم أكثر مما فتحه الرومان في ثمانية قرون. وبما نقلناه يعلم ما كان للأمة الإسلامية من نمو العمران وسعة الثروة، والقوة الحربية الناشئة عن العدل، واجتماع الكلمة وأخوة الممالك واتحادها في السياسة، واعتنائها بالعلوم والصناعات ونحوها من المآثر العرفانية التي ظهرت في الإسلام، ونسج الأوروباويون على منوالها، وشهد المنصفون منهم بفضل التقدم فيها للأمة الإسلامية.
ففي تاريخ دروي وزير المعارف العمومية بفرنسا الآن ما معناه: بينما أهل أوروبا تائهون في دجى الجهالة لا يرون الضوء إلا من سم الخياط؛ إذ سطع نور قوي من جانب الأمة الإسلامية من علوم أدب وفلسفة وصناعات وأعمال يد وغير ذلك، حيث كانت مدينة بغداد والبصرة وسمرقند ودمشق والقيروان ومصر وفاس وغرناطة وقرطبة مراكز عظيمة لدائرة المعارف، ومنها انتشرت في الأمم، واغتنم منها أهل أوروبا في القرون المتوسطة مكتشفات وصناعات وفنونا علمية يأتي بيانها، وفيه يقول: «كانت الآداب قبل انتشار العرب من جزيرتهم متأصلة فيهم موداة بلغتين: الحميرية في اليمن والقرشية في الحجاز، وبالأخيرة جاء القرآن (ولا يخفى عليك أن الذي يقابل الحميرية هو المضرية، وإن وقع الإجماع في القراءة على خصوص القرشية)؛ ولذلك اشتهرت واستمر خلوصها إلى وقتنا هذا باستمرار كتب العلم والديانة، وما دخلت العجمة في اللسان إلا بدخول الأمم في الإسلام وتطاول السنين. وللغة المذكورة من الاتساع وسعة المجال ما لا يخفى على مثافنها، لا سيما في الأشياء التي بها قوام المعيشة في البادية أو تتكرر رؤيتهم لها أو تكثر حاجتهم إليها، فقد يكون للشيء الواحد عدة أسماء باعتبار تعدد صفاته وأحواله، وبكثرة الترادف عندهم اتسعت لهم دوائر الآداب الشعرية؛ إذ يقال للعسل عندهم ثمانين اسما وللثعبان مائتين وللأسد خمسمائة، وللجمل ألفا وكذا السيف، وللداهية نحو أربعة آلاف اسم. ولا جرم أن استيعاب مثل هذه الأسماء يستدعي حافظة قوية، وللعرب من قوة الحافظة وحدة الفكر ما لا يسع أحدا إنكاره، فمن مشاهيرهم: حماد الراوية، الذي ذكر يوما للخليفة الوليد أنه ينشد له في الحال مائة قصيدة والقصيدة من عشرين إلى مائة بيت، فتعب المستمع قبل المنشد.» إلى أن قال: «ولم يكن للعرب في أول الأمر إلا تلك الآداب، ثم لما اتسعت لهم دوائر الفتوحات واختلطوا بالأمم الذين سبقوهم في الحضارة اتسع لهم نطاق المعارف، فأخذوا من اليونان تآليف أرسطو وشرحوها بإمعان نظر. لكن من سوء البخت لم يأخذوا الفلسفة من كتب اليونان الأصلية، وإنما تعلموها من الكتب المترجمة بلغة أهل الشام، فهم ترجموا المترجمة؛ فلذلك لما نقلها الفيلسوف العربي حفيد ابن رشد إلى أوروبا في القرون المتوسطة وجد بها من التحريف أكثر مما وقع فيها أولا. وأما العلوم الرياضية فقد صادف فيها العرب المرمى، والفضل في ذلك للعلماء الذين جلبهم الخليفة المأمون من القسطنطينية.»