تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أوائل القرن التاسع المسيحي أمر الخليفة المذكور عالمين من فلكية بغداد أن يقيسا مسافة درجة واحدة من خط الطول بصحراء سنجار ويزناها؛ ليثبت بذلك تكوير الأرض بالمشاهدة، وقد تبين ذلك باختلاف ارتفاع القطب الشمالي عن طرفي الخط المقيس.

وقد شرح العرب كتاب إقليدس، وهذبوا زيج بطليموس وحرروا حساب تعريج منطقة البروج، كما حرروا الفرق بين أوقات الاعتدال والفرق بين السنين الشمسية والزمنية، فوجدوا بين السنة الشمسية والسنة الزمنية عدة دقائق، واخترعوا للتحريرات آلات جديدة ... إلى غير ذلك، مما يدل على ما للعرب من قابلية العلوم الرياضية. ومنهم حازت مدينة سمرقند قبل أوروبا بكثير محل رصد عجيب. وأما ما ينسب للعرب من اختراع الجبر والمقابلة والأرقام الحسابية المسماة عندنا بالأرقام العربية فلم يثبت، بل إنما تعلموا ذلك مع فلسفة أرسطو بالتلقي من غيرهم، وهي من العلوم التي وجدوها بإسكندرية. ويمكن أنهم نقلوا إلينا على ذلك الوجه البوصلة؛ أي بيت الإبرة، والبارود الذي تعلموه من أهل الصين. كما يعترف لهم أهل أوروبا بمزية اختراع الكاغد من القماش؛ وبذلك كثرت الكتب ودنت أسعارها وسهل الطبع وتوفرت نتائجه بعد وجوده. وقد اشتهر العرب أيضا بمعرفة الطب الذي كانوا تلقوه من كتب اليونان، ولابن رشد تعليقات عديدة على كتب جالينوس شاهدة بما ذكر، ومن فلاسفتهم عدة أشخاص صاروا في وقت واحد حكماء وأطباء مشاهير، مثل أبي علي بن سيناء المتوفى سنة ست وعشرين وأربعمائة، هجرية وابن رشد المذكور. وقد بلغوا من الشهرة إلى حيث صار أعداؤهم في ذلك الوقت يرغبون في معالجتهم إياهم، كما يحكى أن بعض ملوك قسطلية كان اعتراه مرض الاستسقاء فاشتهى أن تكون معالجته بقرطبة، وحصل من لطف الخليفة على الإذن في أن يذهب ويداويه المسلمون.

ومن مآثر حكماء العرب كيفية تقطير المياه واستعمال الراوند وأدوية كثيرة. ومن العلوم التي لهم الفضل فيها الجغرافيا، وسبب تقدمهم فيها أن اتساع فتوحاتهم ورغبتهم في الأسفار الخطيرة لافتراض الحج عليهم أنتجت لهم المعرفة بكثير من البلدان الشاسعة، التي لم يصل إليها أهل أوروبا أو نسوها بعدما كانت معروفة لهم، ومن مشاهيرهم في هذا الفن أبو الفداء والمسعودي والإدريسي، وهذا الأخير هو الذي استدعاه روجير ملك صقلية وألف عنده كتابه الغريب الذي سماه «نزهة المشتاق». وأما علم التاريخ فمن تآليفهم فيه تاريخا المسعودي وأبي الفداء المذكورين وتاريخ المقريزي، غير أنها تواريخ مختصة بأبناء جنسهم، وقل أن يوجد بها الكريتيك بمعنى أنهم لا يسبرون منقولاتهم بمسبار العقل، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون، ولا يخرجون عن دائرة الوقائع المجردة، ولا سبب لذلك إلا ما حكاه سدليو في تاريخه الآتي ذكره من أن وجود التسلط من الملوك في بلدان المشرق هو الذي كان يمنع المؤرخين من شرح جميع الوقائع ببيان أسبابها؛ للخطر الذي يلحقهم في حكاية الحق. وأما صناعة الأرشتكتور؛ أي هندسة البناء في اصطناع الهيئات فلم يشتغل العرب منها إلا بما يرجع إلى إتقان الأبنية، حيث كانت شريعتهم تمنع التصوير، على أن البناء نفسه لم تظهر لهم فيه اختراعات غريبة، فالأصل عندهم في الأقواس المرفوعة على الأسطوانات أن تكون أكبر من نصف دائرة، وهذا الشكل أخذوه من أبنية البرزنتيين، وهم أمة من اليونان، اعتاض العرب عن الصور الدهنية والمجسدة التزيين بالنقش المسمى عندهم بنقش حديدة، وكان في الأصل رسوما لها مدلولات، ثم صار مجرد خطوط متقاطعة شبيهة بالحروف العربية التي يمكن أن يصور منها أشكال جيدة ظريفة، وكثيرا ما نتعجب من إتقان تلك الحروف حين نراها على الزرابي والأقمشة المشرقية. ومن مآثر العرب اصطناع الجوابي والفوارات والتزويق بالذهب والأحجار الثمينة كالمرمر التي كانوا يجلبونها من المشرق ومن مقاطع إسبانيا الجنوبية، ومن أشهر أبنيتهم الجامع العظيم الذي بناه عبد الرحمن الأول بقرطبة، وكان به ألف وثلاث وتسعون أسطوانة وأربعة آلاف وسبعمائة قنديل، ثم قصر الزهراء الذي لا يتأخر عن الجامع المذكور في العظم، وقد بناه عبد الرحمن الثالث على شاطئ الوادي الكبير، وبه ينبوع عظيم يفور منه شبه باقة من الزئبق، ثم ينعكس في قصعة من المرمر. ومن بديع أبنيتهم حمراء غرناطة التي هي في آن واحد قصر وحصن، وبها عدة أمور تصلح أن تكون مثالا للطافة البناء وحسنه، خصوصا وسطها المسمى ببطحاء الأسود.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٠