تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الأحكام المتقررة أن المدعى عليه لا يرخص له في السراح بوضع الضمانة، بل يوقف بالمحل المعلوم يأكل ما يشتهيه من الطعام ويجتمع بأقاربه متى شاء، ويأتيه الأفوكاتو المدافع عنه في أي وقت شاء ويختلي به، ولا ينادى في السجن أو في محل الحكم إلا بعنوان المسجون دون المتهم أو الجاني أو المذنب حتى تثبت عليه الدعوى، وفي اليوم الذي يصدر فيه الحكم يجمع الشرف غالب الأمناء الكبار والصغار ويقرأ شاهد المجلس تقرير الدعوى على الأمناء الكبار فيتأملون هل في النازلة قرائن وشبهات كافية في تذنيب المسجون؟ فإذا اتفق غالب الأمناء على توجه موجب الحكم يكتب كبيرهم على رسم الدعوى لفظ رسم صحيح. والمسجون الذي تظهر عليه قرائن كافية في الجناية يحضر بالمجلس ويقرأ عليه ضابط المجلس رسم الدعوى ويسأله أيعترف بالذنب أم لا؟ فإن اعترف نبهه الحاكم بخطاب لين على ما يمكن أن يترتب على اعترافه عسى أن يتيقظ ويرجع عما صدر منه، فإذا دام على الاعتراف حكم المجلس عليه في الحال بدون حضور الأمناء وبدون مدافعة عنه، والذي لا يعترف بالذنب ويدعي البراءة يحضر له الأمناء الصغار فيحلفون أمام المجلس وتبتدأ المنازعة، فيتكلم وكيل المدعي أولا مع تقرير الأدلة واستنطاق الشهود وتحليفهم قبل الشروع في الحكم، ويجلسون في بيت الحكم بحيث يسمع كل منهم شهادة من قبله. قلت: وهذا الصنيع ليس بمستحسن.

والمدعى عليه أو وكيله يمكنه معارضة أدلة المدعي واستنطاق الشهود بإلقاء ما يظهر له بدون توسط رئيس الحكم في ذلك، ولا يسوغ للرئيس أن يعرف المجلس بما يعرفه من حال المدعى عليه كأن يقول هذا من أهل التهم أو ذوي المروءة، وحسبه إذا تكررت منه الجناية أن يعرف الحاكم بذلك بعد إعطاء أمناء الحكم رأيهم في النازلة، وحينئذ يسوغ له تقرير ذنبه السابق، ولا تدفع الشهادة إلا بمحل الحكم، ويجب حضور شهود الجنايات بأنفسهم في المجلس، بحيث لا تغني الكتابة من غير حضور الشاهد، وهذا الحضور من الشهود لدى الحكم في أمر الجنايات كاد يكون واجبا في هذه الأزمان، وبعد سماع دعوى المدعي واستفسار شهوده يبتدأ بسماع كلام المدعى عليه واستفسار شهوده أيضا، وآخر الكلام للمدعى عليه إذا لم يكن المدعي هو الدولة، فإن كان إياها فإن لها آخر الكلام، فإذا انتهت المجادلة فإن الرئيس يعرض النازلة على الأمناء وتكون المباحثة بمحل مخصوص، وجماعة الأمناء لا يعطون رأيهم إلا بعد اتفاق جميعهم؛ بمعنى أن يقولوا كلهم: مذنب أو غير مذنب، فإن خالفهم واحد منهم باحثوه حتى يرجع إليهم أو يرجعوا إليه. قلت: ووجوب الاتفاق غير معقول.

الحكم المدني

لما لم يكن بإنكلترة قانون معين يرجع إليه في الأحكام المدنية اعتاضوا عنه الاستعانة في غالب الأحوال بالأحكام الماضية والقوانين المتقررة، وقد يحكمون بمجرد الاجتهاد مع ترجيح سلوك طريق اللين والتخفيف، ويمكن لهذه الطائفة أن تحكم بما يقتضيه الذوق السليم والإنصاف خصوصا إذا لم تتكرر الجناية من المدعى عليه، والحاصل أن دائرة المجالس التي تحكم بمقتضى العادات والأحكام الماضية أضيق من دائرة المجالس الحاكمة بمجرد الاجتهاد. قال المؤلف فرانكفيل: إذا تعلقت النازلة بحدوث مضرة فمجالس الأحكام غير الاجتهادية لا تقدر إلا على الحكم بدفع المقدار الحاصل من الضرر. وأما مجالس الأكيتي أي الاجتهاد المبني على العدل فلها أن تحكم بأخذ الحذر اللازم؛ منعا لعود المضرة في المستقبل، بمعنى أن مجالس الأحكام العامة نظرها مقصور على الحقوق الثابتة، ومجالس الأكيتي تجيل نظرها فيما يؤدي إليه الاجتهاد، فتمنع المضرات الواقعة والمتوقعة، وينفذ حكم هذين النوعين من المجالس في سائر الأحكام المدنية أي المعاملات والجنايات، فالمجالس التي تصدر عنها الأحكام الاجتهادية هي قمرة اللوردوات ومجلس الشانسلر العالي المشتمل على رئيس القضاة، وهو اللورد شانسلر، وعلى لوردوين من حكام التحقيق وثلاثة من نواب الشانسلر وواحد دفتر دار ينظر صحف الحكم.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ٧٨