واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري . فإذا جاز ذلك في النبوءة كان في الإمامة أجوز.» انتهى.
قلت: فإذا جاز تشريك الإمام لوزير التفويض على الوجه المذكور ولم يعد مثل ذلك تنقيصا من تصرفه العام كان تشريكه لجماعة هم أهل الحل والعقد في كليات السياسة أجوز؛ لأن اجتماع الآراء إلى مواقع الصواب أقرب، ولهذا لما جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة شورى بين ستة قال: إن انقسموا اثنين وأربعة فكونوا مع الأربعة. (ميلا منه إلى الأكثر؛ لأن رأيهم إلى الصواب أقرب، قاله السيد السند) وإن تساووا فكونوا في الحزب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف. على أن المولى سعد الدين في «شرح العقائد» لم يمنع المشاركة في تصرفات الإمامة، وقصر منع التعدد على منشأ الفساد، حيث قال في أثناء مبحث الإمامة: «غير الجائز هو نصب إمامين مستقلين تجب طاعة كل منهما على الانفراد؛ لما يلزم عليه من امتثال أحكام متضادة، وأما في الشورى فالكل بمنزلة إمام واحد.» انتهى. أي لأن تعدد الأشخاص لا ينافي وحدة الإمامة التي مدارها على وحدة الأمر والنهي، وقد سلم كلام السعد محشوه كالفاضلين؛ عصام الدين وعبد الحكيم، وقرره الخيالي بقوله: وقد يجاب أيضا، وبالجملة فكلهم معترف بصحة كلام السعد في نفسه، وظاهر حينئذ أحروية جواز الشورى في كليات السياسة بالمعنى الذي أشرنا إليه؛ إذ هي دون الشورى في سائر التصرفات، ثم إن الشورى على الوجه المذكور ليس فيها تضييق لدائرة خطة الإمامة وعموم تصرفها، باعتبار أن نظر أهل الحل والعقد بمنزلة نظر الإمام ومراعاة كونه مظهرا له لاستبداده بتمشيته وإدارته، مع ما يستبد به من التصرفات التي لا تقتضي المشاركة كإجراء الخلطة السياسية والمتجرية مع الأجانب، ونصب أرباب الخطط وتأخيرهم، وتنفيذ سائر الأحكام ونحو ذلك من التصرفات التي هي محمل وحدة الآمر، وهاك شاهدا آخر من كلام الإمام ابن العربي فإنه قال في المغارم التي تؤخذ من الناس عند فراغ بيت المال: «إنها تؤخذ جهرا لا سرا وتنفق بالعدل لا بالاستيثار وبرأي الجماعة لا بالاستبداد.» انتهى. ولزيادة البيان نستوضح ذلك بمثال، وهو أن مالك البستان الكبير مثلا لا يستغني في إقامته وتدبير شجره عن الاستعانة بأعوان يكون لهم مزيد معرفة بأحوال الشجر وما يصلحه أو يفسده، فإذا اتفق أن رب البستان أراد قطع شيء من فروع شجره لما رأى في ذلك من تقوية الأصول وتنمية ثمارها فلم يوافقه أعوانه على ذلك، علما منهم بمقتضى قواعد الفلاحة أن القطع في ذلك الوقت مما ينشأ عنه موت الشجرة من أصلها، فتعطيل إرادة المالك في ذلك لا يعد تضييقا لسعة نظره وعموم تصرفه في بستانه، وقد يكون مستند الأعوان في تعطيل إرادته أمرا شرعيا، كما إذا أراد بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مثلا فأشاروا عليه بأن ذلك لا يرضاه خالق الشجر، الذي هو المالك الحقيقي، فيلزمه الرجوع لرأيهم في المثالين وإلا توجه اللوم إليه واستحق أن يحجر عليه. وهل يقال حينئذ أن ذلك تضييق على رب البستان؟! بل إن التوسعة عليه مضادة للحكمة الإلهية في إيجاد العالم واستعمار أرضه ببني آدم، هذا مع أن منفعة البستان مختصة بربه، أما إذا كانت له ولغيره أو منزلته فيها كما قال عمر رضي الله عنه: كمنزلة والي اليتيم؛ فأحرى أن لا يتوهم أن ذلك تضييق عليه.
ومعلوم أن تصرف الإمام في أحوال الرعية لا يخرج عن دائر المصلحة، وأن القيام بمصالح الأمة وتدبير سياستها مما لا يتيسر لكل أحد، فتعطيل الإرادة حينئذ إنما يقع في شيء خارج عن دائرة التصرف المسوغ له، فتحرر بما شرحناه اندفاع ذلك القيل، وأنه لا مانع من التشريك على الوجه المذكور. ومن لاحظ جانب المقتضى كما لاحظه الشيخ ابن العربي فيما قدمناه عنه، وهو ملحظنا في جميع ما أسلفناه، لم يتوقف في الجزم بتعينه، لا سيما في هذا الزمان الذي قل فيه العرفان وكثر الطغيان.