وبيان ذلك أن حالة الملوك بمقتضى الطبيعة البشرية لا تخرج عن صور ثلاث: لأن الواحد منهم إما أن يكون كامل المعرفة والمحبة لخير الوطن قادرا على إجراء المصالح بمراعاة الأصلح، أو يكون كامل المعرفة ولكن له أغراض وشهوات خصوصية تصده عن مراعاة المصالح العمومية، أو يكون ناقص المعرفة ضعيف المباشرة. ومثل هذه الصور الثلاث يعتبر في الوزير المباشر، ولا يخفى أن لزوم المشورة ومسئولية الوزراء في الصورة الأولى لا يعطل كامل المعرفة عن مقصده الحسن، بل يعينه حيث إن آراء الجميع متعاضدة على المصلحة، كما أنه يسهل دوام الملك في عائلته، ولو كانوا من ماصدقات الصورتين الأخيرتين الواضح فيهما تأكد المشورة والمسئولية لوجوب المعارضة في الثانية والإعانة في الثالثة، فبذلك يستقيم حال المملكة، ولو كان الوالي أسير الشهوات أو ضعيف الرأي، كما قال المترجم لتاريخ ستورد مل الإنكليزي: إن رفعة شأن الأمة الإنكليزية بلغت الغاية في مدة الملك جورج الثالث الذي كان مجنونا، وما ذاك إلا بمشاركة أهل الحل والعقد ومسئولية الوزراء لهم.
وقد يسبق إلى بعض الأذهان الضعيفة أن تكليف من تحسن سيرته من الوزراء ينجبر به خلل الصورتين الأخيرتين، بحيث لا يحتاج لأهل الحل والعقد. وهو ظاهر السقوط؛ لأن تقديم الوزير للمباشرة وتأخيره عنها بيد الملك، ولا يظن أن الملك يقدم من يعلم أنه يخالفه مخالفة معتبرة. وعلى فرض تقديمه وسيره سيرة مستحسنة فإنا نرى أن حال الوزير دائر بين أمرين؛ لأنه إما أن يوافق الملك وحاشيته على أغراضهم وشهواتهم مرجحا بذلك حظ نفسه، وضرر المملكة في هاته الحالة لا يكاد يخفى، وإما أن يخالفهم ويأمر من تحته من المتوظفين بما تقتضيه مصلحة البلاد، وحينئذ فمن أين له هذا الحق؟ وبأي ظهير يستظهر على تلك المخالفة؟ خصوصا إذا لم تكن هناك شريعة نافذة تحميه من تحزب حساده الذين غاية أملهم إضراره وتعطيل تصرفاته الحسنة المقللة لفوائدهم بكل وجه أمكنهم ، ولو بتنفيذ إذنه على غير مقصوده أو تأخيره عن الوقت المناسب؛ ليظهر الخلل ويكثر الزلل، أو بإخفاء جليل حسناته وإشهار حقير سيئاته لتغيير القلوب عليه. ومن دعاء علي رضي الله عنه: «اللهم احفظني من عدو يرعاني؛ إن رأى مني حسنة دسها، وإن رأى سيئة أشهرها.» ثم إذا خيب الله آمالهم بنجاح سعي الوزير المشار إليه في إدارة المملكة رجعوا إلى سلوك طريق الوشاية به عند الملك، بأن يقولوا: إنه استبد عليك ولم يبق لك من الملك غير الاسم ... إلى غير ذلك من أنباء الفساق التي قد تروج على العاقل قبل التبين، خصوصا عند الدول المشرقية. فكيف يتيسر للوزير والحالة ما ذكر أن يجري إدارة المملكة على مواقع المصلحة مخالفا بذلك من هو الخصم والحكم؟! ولما في هاته الحالة الثانية من العوائق يضطر الوزير المذكور إما إلى اختيار الحالة الأولى بالمجاراة وسلوك طرق المداراة، وعاقبة ذلك وخيمة لعوده بالمضرة على الوطن والملك وعليه نفسه؛ لأن استعذاب الموافقة على الشهوة في الحال الناشئ عند خراب المملكة يستعقب مرارة الندامة في المآل. وإما إلى الاستعفاء من الخدمة بالمرة، وهو وإن لم يكن واجبا لحفظ ذاته فهو واجب للتخلص مما يتوقع من الموافقة على ما يئول إلى خراب المملكة الموجب لعقاب الخالق ولوم المخلوق؛ إذ الإنسان ولو ساغ له المخاطرة بنفسه لمصلحة الوطن لا يسوغ له المخاطرة بديانته وهمته، وما يجب عليه من الطاعة للملك والمحبة للوطن لا يحصلان إلا ببذل الجهد في النصح بجلب المصالح ودرء المفاسد إن قدر عليهما، وإن لم يقدر فبالامتناع من الموافقة على ما يضر، فإن لم يفعل كانت موافقته مع العلم بما ينشأ عنها من المضرة خيانة.
فبان بهذا أن الممالك التي لا يكون لإدارتها قوانين ضابطة محفوظة برعاية أهل الحل والعقد خيرها وشرها منحصر في ذات الملك، وبحسب اقتداره واستقامته يكون مبلغ نجاحها. ويشهد لذلك حالة الممالك الأوروباوية في القرون الماضية قبل تأسيس القوانين، فقد كان لهم في ذلك الوقت من الوزراء من لهم شهرة إلى الآن بتمام المعرفة والمروءة، ومع ذلك لم يتيسر لهم حسم مواد الخلل المنبعث من صورتي استبداد الملوك المشار إليهما، لا يقال إن مشاركة أهل الحل والعقد للأمراء في كليات السياسة تضييق لسعة نظر الإمام وتصرفه العام؛ لأنا نقول: هذا التوهم يندفع بمطالعة «الأحكام السلطانية» للماوردي، فإنه قال فيه عند بيان وزارة التفويض: «هي أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاءها على اجتهاده، وليس يمتنع جواز هذه الوزارة، فإن الله تعالى يقول حكاية عن نبيه موسى عليه السلام: