تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحكمهم بالبراءة لا يتوقف تنفيذه على موافقة مجلس التحقيق، نعم قد ينظره المجلس الأعلى باعتبار فهم القانون ليعتبر ذلك فيما يستقبل، فلا يبقى لمجلس الجنايات بعد إعطاء الجوري رأيه إلا تنزيل العقوبة من القانون إن كان الحكم بالعقوبة، أو إطلاق المدعى عليه في الحين إن كان الحكم بالبراءة.

ولا يقبل هذا المجلس نوازل الجنايات السياسية كمن يهجم على ذات الملك بسوء أو يحير راحة المملكة أو نحو ذلك؛ لأن لتلك النوازل مجلسا يخصها كما تقدم. قلت: ومع كون وظيفة أعضاء مجالس الحكم ورؤسائها عمرية في ممالك أوروبا فإن الأهالي لم تر فيها ضمانة كافية لحفظ حقوقها إن قصد الأمراء ظلما؛ لأن تأبيد وظيفة الأعضاء لم تنتف به سلطة الأمراء عليهم؛ لأنه قد بقي بأيديهم ترقيتهم من مرتبة إلى ما فوقها من الخطط، وربما يتسبب عن ذلك ميل الأعضاء إلى إرضاء جانب الأمراء وقت الحكم، ولذلك جعل تعيين الحكم بالذنب أو البراءة إلى جماعة الجوري التي تنتخبها الأهالي سدا للذريعة، وجعل تنزيل العقوبة من القانون إذا كان الحكم بالذنب، وجلب الشهود واستفسارهم وغير ذلك من الأعمال لأعضاء المجالس ورؤسائها، وبالمملكة ثمانية وعشرون مجلسا تسمى كوردابل، بكل منها رئيس أول ورؤساء ثوان بقدر ما يوجد به من الأقسام التي هي في الغالب ثلاثة: قسم لتحقيق أحكام العقوبات الخفيفة التي لا يحضرها الجوري، وقسم لتحقيق سائر الأحكام الصادرة من المجالس العرفية ومجالس المتجر، وقسم للتأمل في حجج الدعوى هل تقتضي إرسال المدعى عليه لمجلس الجنايات أم لا؛ لأن دعوى الجناية تعرض أولا على المحتسب، وهو يعرضها على هذا القسم بعد إتمام أعمال له. وفي كل من المجالس محتسب عمومي ومعه محتسبان لإعانته من طرف الدولة للمناضلة عن حقوق القانون في سائر النوازل، لا سيما الجنايات. وبالبلدان الكبار مجالس متجرية مركبة من أعضاء ينتخبهم أهل المتجر لمدة عامين.

ولما كانت جميع المجالس تحكم باسم الملك؛ إذ هم نوابه، وجب عرض أسماء المنتخبين لها عليه؛ إذ له تولية سائر أعضاء مجالس الحكم ورؤسائها، ولا يتجاوز المجلس المتجري أربعة عشر عضوا غير الرئيس، ولا يكون أقل من عضوين، وفي كل مجلس معينون بقدر الحاجة، والنوازل التي تنشر في المجالس المتجرية هي ما يقع بين أهل المتجر من رسوم الاتفاقات وبيوع السلع بالآجال وعقد الشركات والسفاتج وغير ذلك مما له تعلق بالمتجر.

وبالمملكة مجلس أعلى مقره تختها تنتهي إليه جميع الأحكام الصادرة من المجالس، سواء كانت في الأمور العرفية أو الجنايات أو المتجر، وبحكمه تنتهي النوازل. وصورة نظره أنه لا يتأمل في أصل النازلة من جهة ثبوتها أو بطلانها، وإنما ينظر في أعمال المجالس أكانت على مقتضى القانون أم لا وهل يقتضي القانون ما حكموا به أم لا، ومهما عثر على خلل في الحكم يحكم ببطلانه ويرجع النازلة إلى من يعينه من مجالس التحقيق ليستأنف النظر فيها، فإن وافق المجلس الأول وردت النازلة إلى المجلس الأعلى فإنه يعيد التأمل فيها باجتماع غالب أعضائه، وبحكمه تنتهي النازلة، وهذا الحكم الأخير يجب على مجالس الحكم اعتباره كشرح للقانون في نظائر تلك النازلة، ولهذا المجلس السلطة والنظر على أعضاء سائر مجالس الحكم بالمملكة كإلزام طاعة أهل المناصب بعضهم لبعض واحترام مكارم الأخلاق واجتناب ما لا يسوغ للحاكم، وفي قوته تعطيل خدمة أحد أعضاء مجالس الحكم وإرساله إلى وزير الأحكام لاختبار حاله.

ويتركب المجلس الأعلى من رئيس أول وثلاثة رؤساء ثوان وخمسة وأربعين عضوا ينصبهم الملك بوظيفة عمرية، وتنقسم أعماله إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يسمع دعاوي المشتكين من أحكام المجالس لتمييز ما يقبل من ذلك وما يرد، وما يقبل ينقل إلى أحد القسمين الآتيين، وقسم يحقق الأحكام الصادرة من مجلس الجنايات، وقسم يحقق أحكام المجالس العرفية والمتجرية، وبهذا المجلس أيضا محتسب عمومي ومعه محتسبان للمناضلة عن القانون. (10) في الكلام على مجالس العسكر بفرنسا

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ٥٩