ولما أشار سلمان الفارسي رضي الله عنه على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بأن عادة الفرس أن يطوقوا مدنهم بخندق حين يحاصرهم العدو؛ اتقاء من هجومه عليهم، أخذ رسول الله
صلى الله عليه وسلم
برأيه، وحفر خندقا للمدينة في غزوة الأحزاب، عمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين. وقال سيدنا علي كرم الله وجهه: «لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال.» وإذا ساغ للسلف الصالح أخذ مثل المنطق من غير أهل ملتهم وترجمته من لغة اليونان لما رأوه من الآلات النافعة، حتى قال الغزالي: «من لا معرفة له بالمنطق لا يوثق بعلمه.» فأي مانع لنا اليوم من أخذ بعض المعارف التي نرى أنفسنا محتاجين إليها غاية الاحتياج في دفع المكائد وجلب الفوائد؟
وفي «سنن المهتدين» للعلامة الشيخ المواق المالكي ما نصه: «إن ما نهينا عنه من أعمال غيرنا هو ما كان على خلاف مقتضى شرعنا، أما ما فعلوه على وفق الندب أو الإيجاب أو الإباحة، فإنا لا نتركه لأجل تعاطيهم إياه؛ لأن الشرع لم ينه عن التشبه بمن يفعل ما أذن الله فيه.» وفي «حاشية الدر المختار» للعلامة الشيخ محمد بن عابدين الحنفي ما نصه: «إن صورة المشابهة فيما تعلق به صلاح العباد لا تضر.»
على أنا إذا تأملنا في حالة هؤلاء المنكرين لما يستحسن من أعمال الإفرنج نجدهم يمتنعون من مجاراتهم فيما ينفع من التنظيمات ونتائجها، ولا يمتنعون منها فيما يضرهم؛ وذلك أنا نراهم يتنافسون في الملابس وأثاث المساكن ونحوها من الضروريات، وكذا الأسلحة وسائر اللوازم الحربية، والحال أن جميع ذلك من أعمال الإفرنج . ولا يخفى ما يلحق الأمة بذلك من الشين والخلل في العمران وفي السياسة؛ أما الشين فبالاحتياج للغير في غالب الضروريات الدال على تأخر الأمة في المعارف، وأما خلل العمران فبعدم انتفاع صناع البلاد باصطناع نتائجها الذي هو أصل مهم من أصول المكاسب. ومصداق ذلك ما نشاهده من أن صاحب الغنم منا، ومستولد الحرير وزارع القطن مثلا يقتحم تعب ذلك سنة كاملة، ويبيع ما ينتجه عمله للإفرنجي بثمن يسير، ثم يشتريه منه بعد اصطناعه في مدة يسيرة بأضعاف ما باعه به. وبالجملة، فليس لنا الآن من نتائج أرضنا إلا قيمة موادها المجردة دون التطويرات العملية التي هي منشأ توفر الرغبات منا ومن غيرنا، ثم إذا نظرنا إلى مجموع ما يخرج من المملكة، وقايسناه بما يدخلها، فإن وجدناهما متقاربين خف الضرر، وأما إذا زادت قيمة الداخل على قيمة الخارج فحينئذ يتوقع الخراب لا محالة. وأما الخلل السياسي فإن احتياج المملكة لغيرها مانع لاستقلالها وموهن لقوتها، لا سيما إذا كان متعلق الاحتياج، الضروريات الحربية التي لو يتيسر شراؤها زمن الصلح لا يتيسر ذلك وقت الحرب ولو بأضعاف القيمة. ولا سبب لما ذكرناه إلا تقدم الإفرنج في المعارف الناتجة عن التنظيمات المؤسسة على العدل والحرية، فكيف يسوغ للعاقل حرمان نفسه مما هو مستحسن في ذاته، ويستسهل الامتناع عما به قوام نفعه بمجرد أوهام خيالية، واحتياط في غير محله؟!
ومما يحسن سوقه هنا قول بعض المؤلفين من الأوروباويين في السياسات الحربية: إن الممالك التي لا تنسج على منوال مجاوريها فيما يستحدثونه من الآلات الحربية والتراتيب العسكرية، يوشك أن تكون غنيمة لهم ولو بعد حين. وخص التراتيب الحربية لأنها موضوع كتابه، وإلا فالواجب مجاراة الجار في كل ما هو مظنة لتقدمه، سواء كان من الأمور العسكرية أو من غيرها. ومما يؤيد ما قررناه قوله
صلى الله عليه وسلم
لعاصم بن ثابت من حديث: «من قاتل فليقاتل كما يقاتل.» ويوضح معناه ما تضمنته وصية الصديق لخالد بن الوليد - رضي الله عنهما - حين بعثه لقتال المرتدين، فقال: «يا خالد، عليك بتقوى الله والرفق بمن معك ...» إلى أن قال: «والخوف عند أهل اليمامة، فإذا دخلت بلادهم فالحذر الحذر! ثم إذا لاقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذي يقاتلونك به، السهم للسهم والرمح للرمح والسيف للسيف.» قلت: ولو أدرك هذا الزمان لأبدل ذلك بمدفع الششخان، ومكحلة الإبرة والسفينة المدرعة، ونحوها من المخترعات التي تتوقف عليها المقاومة، ولا يحصل بدونها الاستعداد الواجب شرعا، الذي يستلزم معرفة قوة المستعد له، والسعي في تهيئة مثلها أو خير منها، ومعرفة الأسباب المحصلة له.