وأهم تلك الفوائد عندي، التي هي في هذا التأليف مناط قصدي، تذكير العلماء الأعلام بما يعينهم على معرفة ما يجب اعتباره من حوادث الأيام، وإيقاظ الغافلين من رجال السياسة وسائر الخواص والعوام، ببيان ما ينبغي أن تكون عليه التصرفات الداخلية والخارجية، وذكر ما تتأكد معرفته من أحوال الأمم الإفرنجية، خصوصا من لهم بنا مزيد اختلاط وشديد علقة وارتباط، مع ما أولعوا به من صرف الهمم إلى استيعاب أحوال سائر الأمم، واستسهالهم ذلك بطي مسافات الكرة الذي ألحق شاسعها بالأمم، فجمعت ما تيسر بعون الله من مستحدثاتهم المتعلقة بسياستي الاقتصاد والتنظيم، مع الإشارة إلى ما كانوا عليه في العهد القديم، وبيان الوسائل التي ترقوا بها في سياسة العباد إلى الغاية القصوى من عمران البلاد، كما أشرت إلى ما كانت عليه أمة الإسلام المشهود لها حتى من مؤرخي أوروبا الأعيان، بسابقية التقدم في مضماري العرفان والعمران، وقت نفوذ الشريعة في أحوالها، ونسج سائر التصرفات بمنوالها.
والغرض من ذكر الوسائل التي أوصلت الممالك الأوروباوية إلى ما هي عليه من المنعة والسلطة الدنيوية، أن نتخير منها ما يكون بحالنا لائقا، ولنصوص شريعتنا مساعدا وموافقا؛ عسى أن نسترجع منه ما أخذ من أيدينا، ونخرج باستعماله من ورطات التفريط الموجود فينا، إلى غير ذلك مما تتشوف إليه نفس الناظر في هذا الموضوع، المحتوي من الملاحظات النقلية والعقلية على ما نشره بطي فصوله يضوع. وسميته: «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك». مرتبا له على مقدمة وكتابين يشتمل كل منهما على أبواب.
وبهداية الله نستوضح مناهج الرشد والصواب. والجري في هذا المجال وإن كان فوق طاقتي، لكن إغضاء الفضلاء مأمول في جنب فاقتي، وصدق النية كافل إن شاء الله تعالى ببلوغ الأمنية.
| المقدمة
لما كان السبب الحامل على الشيء متقدما عليه طبعا، ناسب أن نقدمه وضعا، ولم نكتف بالإيماء في الخطبة إلى ما دعانا لجمع هذا التأليف، بل رأينا من المهم أن نعود إلى إيضاحه هنا ونبني عليه ما أردنا إيراده في المقدمة، فنقول:
إن الباعث الأصلي على ذلك أمران آيلان إلى مقصد واحد؛ أحدهما: إغراء ذوي الغيرة والحزم من رجال السياسة والعلم، بالتماس ما يمكنهم من الوسائل الموصلة إلى حسن حال الأمة الإسلامية، وتنمية أسباب تمدنها بمثل توسيع دوائر العلوم والعرفان، وتمهيد طرق الثروة من الزراعة والتجارة، وترويج سائر الصناعات ونفي أسباب البطالة، وأساس جميع ذلك حسن الإمارة، المتولد منه الأمن، المتولد منه الأمل، المتولد منه إتقان العمل المشاهد في الممالك الأوروباوية بالعيان وليس بعده بيان. ثانيهما: تحذير ذوي الغفلات من عوام المسلمين عن تماديهم في الإعراض عما يحمد من سيرة الغير، الموافقة لشرعنا، بمجرد ما انتقش في عقولهم من أن جميع ما عليه غير المسلم من السير والتراتيب ينبغي أن يهجر، وتآليفهم في ذلك يجب أن تنبذ ولا تذكر، حتى إنهم يشددون الإنكار على من يستحسن شيئا منها. وهذا على إطلاقه خطأ محض؛ فإن الأمر إذا كان صادرا من غيرنا وكان صوابا موافقا للأدلة، لا سيما إذا كنا عليه وأخذ من أيدينا، فلا وجه لإنكاره وإهماله، بل الواجب الحرص على استرجاعه واستعماله. وكل متمسك بديانة وإن كان يرى غيره ضالا في ديانته، فذلك لا يمنعه من الاقتداء به فيما يستحسن في نفسه من أعماله المتعلقة بالمصالح الدنيوية، كما تفعله الأمة الإفرنجية، فإنهم ما زالوا يقتدون بغيرهم في كل ما يرونه حسنا من أعماله، حتى بلغوا في استقامة نظام دنياهم إلى ما هو مشاهد.
وشأن الناقد البصير تمييز الحق بمسبار النظر في الشيء المعروض عليه قولا كان أو فعلا، فإن وجده صوابا قبله واتبعه، سواء كان صاحبه من أهل الحق أو من غيرهم، فليس بالرجال يعرف الحق بل بالحق تعرف الرجال، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها.