تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كانت العامة في مبدأ الأمر أنكرت تلك التنظيمات إنكارا كليا حتى ظهر في بعض جهات المملكة مبادئ الاضطراب؛ وسبب ذلك أن عمال تلك الجهات وغيرهم، ممن له فائدة في التصرف بلا قيد ولا احتساب، لما تيقنوا أن إجراء الإدارة والأحكام على مقتضى التنظيمات، مما يخل بفوائدهم الشخصية، دسوا للعامة من قول الزور والغش ما ينفرهم منها، مثل قولهم هذا شرع جديد مخالف لشريعة الإسلام، وأعانهم على ذلك من كان له من الدول الأوروباوية فائدة في عدم نجاح سعي الدولة في تحسين أحوال ممالكها، فالدولة العلية عوض أن تغتنم تلك الفرصة وترجع إلى استبدادها، كما وقع في بعض الممالك أكذبت تلك الظنون الفاسدة بإرسال فخر علماء ذلك العصر وأتقاهم، أعني شيخ الإسلام المقدس عارفا بك إلى جهات الاضطراب لوعظ الناس وأمرهم بالطاعة والامتثال، فخطب بذلك على المنابر وبين للناس أن تلك التنظيمات ليست خارجة عن المنهج الشرعي، وما هي إلا ضبط للسياسات الشرعية التي كانت أهملت، وأن الداعي إليها ليس إلا تحسين إدارة المملكة وحفظ حقوق الأمة في النفس والعرض والمال وكف الأيدي الجائرة من الولاة ونحو ذلك من المصالح، فانقادت الرعية عند ذلك وسكنت، واستمر العمل بالتنظيمات في سائر الجهات بقدر الإمكان. وأنت خبير بأن مثل هذا الحبر الذي سارت بمآثره الركبان وشهد له بالعلم والعمل جهابذة أرباب العرفان، خصوصا فخر القطر الأفريقي وفجر الرشاد الحقيقي من بلغ صوت صيته مسامع سائر النواحي، الأستاذ العلامة سيدي إبراهيم الرياحي لو لم ير مساغا لهذه التنظيمات ما خطب بها على المنابر، ولا كان على تقريرها أحزم مثابر، ومن تأملها بعين الإنصاف لم يجد في حسنها ولياقتها مثار خلاف، بل جزم بأنها قوام الاستقامة والوسيلة التي يستعاد بها ما كان للدولة من العز والفخامة.

وهذا الصنع الجميل الذي صدر من هؤلاء السلاطين العظام مع ما حصل به من تحسين حال الدولة والرعايا مما لا يسع المنصف إنكاره بالنسبة لما كان قبل لم يقنع حزبا من المسلمين مع الرعايا من غيرهم، بل لم يزالوا يطلبون من الدولة إطلاق الحرية بمقتضى قوانين يكون تأسيسها وحمايتها من مجلس مركب من أعضاء تنتخبهم الأهالي، وفي هذه المدة الأخيرة اشتد إلحاحهم في طلب ذلك، حسبما تضمنته صحف الأخبار.

ونحن وإن لم نطلع على أحوال إدارة المملكة العثمانية في الحال، لا سيما في كيفية إجراء تلك التنظيمات اطلاعا يمكننا معه معرفة صحة الأسباب التي يتظلم منها الفريق المذكور أو عدم صحتها، فإنا نسلم أن هذا المطلب الذي طلبوه هو من أعظم الوسائل في حفظ نظام الدول وقوة شوكتها ونمو عمران ممالكها ورفاهية رعاياها، خصوصا في هذه الأزمان. كما نسلم أيضا أن مقصد المسلمين من أهل الحزب المذكور بطلبهم لما ذكر إنما هو إصلاح حال الدولة والرعية، لكن لنا أن نسألهم: هل ثبت عندهم أن مقصد غيرهم ممن معهم موافق لمقصدهم حتى تحصل لهم الثقة بهم، ويصدر منهم ما ذكر؟ فإنا نرى خلاف ذلك منهم بما دلت عليه القرائن من أن مراد أكثرهم إنما هو التفصي عن سلطة الدولة العثمانية، حيث لم يظهر منهم بعد نيل الحرية الموجودة الآن شيء من أمارات النصح للدولة، بل ربما أظهروا حب النزوع إلى بني جنسهم بالتظلم من تصرفاتها واستثارة مبادئ الحيرة معها؛ وذلك لاستمرار إفساد الأجنبي لهم وزرعه بذر الحمية في صدروهم لأغراض له لا تخفى. فربما كان تأسيس الحرية على الوجه المطلوب آنفا قبل التبصر في العواقب مما يسهل غرضهم المذكور؛ إذ من لوازم هذه الحرية تساوي الرعايا في سائر الحقوق السياسية التي منها الخطط السامية، مع أن من الشروط المعتبرة في إعطاء تلك الحرية تواطؤ جميع الرعايا على مصلحة المملكة وتقوية شوكة دولتها، ولأقل من هذا السبب امتنع بعض الدول الأوروباوية من إطلاق الحرية المشار إليها تحاشيا من تحزب بعض الرعايا على تبديل العائلة الملكية كما سيأتي بيانه عند الكلام على حرية أوروبا. فإذا ساغ الامتناع مع كون البدل المتوقع من جنس المبدل منه فلأن يسوغ هنا مع كونه من غير الجنس أحرى وأولى، وأيضا فإن رعايا الدولة ينقسمون إلى عدة أجناس مختلفة الأديان واللغات والعادات، وغالبهم يجهل اللغة التركية التي هي لغة الدولة، بل يجهلون لغة بعضهم بحيث تعسر المفاوضة بينهم لو ركب مجلس من جميع طوائفهم، ولا يتيسر إعطاء الحرية للبعض دون البعض لما ينشأ عن ذلك من الهرج، فيجب أن تعتبر حالة هؤلاء الرعايا من أعظم العوائق عن تأسيس الحرية على الوجه المطلوب بالدولة العثمانية، فمن اعتبر ما أشرنا إليه لا يسوغ له أن يوجه اللوم على الدولة في توقفها إلى الآن عن إعطاء الحرية المطلقة وتأسيس المجلس المذكور، وإن كان ما ذكرناه لا يرفع عنها وجوب الاجتهاد في قطع تلك العوائق التي يكون حسمها بعون الله تعالى من مآثر خليفة العصر الذي رفع من أعلام العدل ما انتكس، وأحيا من رسوم الاستقامة ما اندرس، فإنا بمقتضى ما خوله الله من الحزم الناجح والرأي الراجح نؤمل أن نرى منه، لا سيما بعد اطلاعه على أحوال أوروبا بالعيان، وتطبيقها على ما كان معلوما لديه بالبيان مزيد العناية بكل ما يتيسر به إطلاق الحرية على الوجه الأكمل بإعانة رجال دولته وعلمائها المتعاضدين على إنجاح مصالح الدين والوطن، والعارفين بأسباب التقدم ما ظهر منها وما بطن.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٤