تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن الدولة الإسلامية أخذت في التراجع لما انقسمت إلى دول ثلاث: الدولة العباسية ببغداد والمشرق، ودولة الفاطميين بمصر وأفريقية، ودولة الأمويين بالأندلس، ثم تكاثرت الحروب الداخلية وانقسمت تلك الدول، خصوصا الأندلسية، فإنها صارت ملوك طوائف، وتحقق فيهم قول القائل:

ألقاب سلطنة في غير موضعها

كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

وموجب ذلك التفرق تعارض الأغراض والشهوات من الأمراء والثوار الذين لم يعتبروا ما في الانقسام من المضار على الجميع، حتى نشأ عن ذلك خروج الأندلس من يد الإسلام.

ووقع من الخلل في بقية الممالك ما تفاقم ضرره، لولا أن تلافى الأمر بتأييد الله سلاطين آل عثمان الكرام، فجمعوا غالب الممالك الإسلامية تحت رعاية سلطنتهم العادلة التي تأسست سنة ستمائة وتسع وتسعين من الهجرة النبوية، فتراجع للأمة عزها بحسن تدبيرهم واحترامهم للشريعة المصونة بحفظ حقوق الرعية وبفتوحاتهم الجليلة المذكرة لفتوحات الخلفاء الراشدين، وارتقائهم في سلم التمدن خصوصا في مدن السلطان سليمان ابن السلطان سليم في أوائل المائة العاشرة، حيث بادر لقطع الذرائع التي يتوقع بسببها وقوع الخلل في الممالك بما رتبه من قانونه النافع الذي استعان فيه بالعلماء العاملين وعقلاء رجال دولته، وجعل مداره على إناطة تدبير الملك بعهدة العلماء والوزراء، وتمكينهم من تعقب الأمراء والسلاطين إن حادوا، وذلك أن ملك الإسلام مؤسس على الشرع الذي من أصوله المشار إليها سابقا وجوب المشورة وتغيير المنكر، والعلماء أعرف الناس به، كما أن الوزراء أعرف بالسياسة ومقتضيات الأحوال، فإذا اطلع العلماء والوزراء على شيء يخالف الشريعة والقانون الخادم لها فعلوا ما تقتضيه الديانة من تغيير المنكر بالقول أولا، فإن أفاد حصل المقصود وإلا أخبروا أعيان الجند بأن وعظهم لم ينفع. وبين في القانون المذكور ما يئول إليه الأمر إذا صمم السلطان على أن ينفذ مراده وإن خالف المصلحة، وهو أنه يخلع ويولى غيره من البيت الملكي، وأخذ على ذلك العهود والمواثيق من العلماء ورجال الدولة، واستمر العمل على ذلك، فكانت منزلة العلماء والوزراء بالدولة بمقتضى هذا القانون في الاحتساب على سيرة السلاطين كمنزلة وكلاء العامة في أوروبا الآتي بيانهم، بل هي أعظم باعتبار أن الوازع الدنيوي الداعي إلى الاحتساب متأيد بالوازع الديني عندنا، فبذلك القانون المشار إليه استديم نجاح الدولة وحسن سيرتها.

ثم إنها أخذت في التأخر والنقص لما قصرت في إجراء المصالح الملكية على مقتضى الشرع والقوانين السياسية، وعدمت التحري في انتخاب أرباب الخطط المعتبرة، فتصرف بعضهم بحسب الفوائد الشخصية لا باعتبار مصلحة الدولة والرعية، إلى أن دخل في عسكر الانكشارية من أفسد حسن نظامهم وخلخل طاعتهم، حتى تداخلوا فيما ليس لهم من أحوال الملك، وحيروا راحة السكان بظلمهم المتنوع بعد أن كان يضرب المثل بطاعتهم كما يضرب بشجاعتهم في ميادين الحرب؛ فنشأ من مجموع هاته الأمور وأمثالها الاضطراب في المملكة، واغتنم ولاة الممالك البعيدة الفرصة في الامتناع من الانقياد لأوامر الدولة، وأطلقوا أعنة الأغراض والشهوات، والتجأ الكثير من أهل الذمة إلى الاحتماء بالأجانب؛ لأن الإنسان إذا انقطع أمله من حماية شريعة الوطن لنفسه وعرضه وماله يسهل عليه الاحتماء بمن يراه قادرا على حمايته، وربما يسعى في الأسباب التي يمكن بها تسلط حامية على المملكة، خصوصا من لم يكن بينه وبين الدولة اتحاد في الجنس والديانة. وبمثل هاته المضار الناشئة عن تصرف الولاة بدون قيد شرعي أو سياسي تيسر للأجانب التداخل في أحوال المملكة، وإفساد سياستها بما يناسب أغراضهم، حتى نشأت حروب أهلية في عدة جهات من المملكة دامت مدة طويلة، وأفنت نفوسا وأموالا كثيرة، وتسبب عنها خروج ممالك معتبرة من يد الدولة، ووقع من الخلل في باقيها ما عظم ضرره، لولا تدارك المرحوم السلطان محمود وولديه المرحوم السلطان عبد المجيد والمؤيد السلطان عبد العزيز - دام عزه - بتعويض الأول عساكر الانكشارية بالعسكر النظامي، وقطع دابر أمراء الإيالات المسماة عندهم بالداربى، فانقطعت بذلك المظالم الناشئة من ذينك الفريقين؛ وضبط الثاني للسياسات الشرعية بالتنظيمات الخيرية التي هي أساس تصرفات الدولة في الحال بإعانة من رجال الدولة وعلمائها العاملين سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين؛ ثم باجتهاد الثالث - أيده الله - في تمشيتها وتهذيبها وإضافة ما تظهر لياقته بالأحوال بمقتضى تجريبها، كالقانون الذي رتبه أخيرا في إدارة مصالح الإيالات الذي يؤمل منه مصالح جمة.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالك · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أقوَم المسالك في معرفة أحوال الممالكص ١٣